Thursday, August 17, 2017

الغنوسية الجزء الثاني: موقفها من العهد القديم


كان للحركات الغنوسية موقفاً سلبياً تجاه العهد القديم وبعض أجزاء العهد الجديد.  من أخطر مزاعم الغنوسيون أن إله العهد القديم (يهوه) ليس الإله الأعظم بل إلهاً شريراً أو جاهلاً وله مقاماً أقل بكثير من الإله الأعظم.  توصل الفكر الغنوسى لهذا الإعقتاد بسبب رفضهم للمادة. كما قلنا في المقال السابق بالنسبة لهم كانت المادة شريرة أو مجرد وهم والمسيح كان مجرد شبح.  في رأيهم ما حدث أن "انبثاقات" (شئ مثل الملائكة) خرجت من الإله الأعظم وللانبثاقات رتب مختلفة وتوجهات مختلفة.  يهوه أحد هذه الانبثاقات وله رتبة منخفضة فزعموا أنه خلق العالم المادي دون علم أو دون تدخل الإله الأعظم!

المسيح بالنسبة للغنوسيين لم يرسل من إله العهد القديم القاسي بل من الإله الأعظم الآب السماوي.  جاء المسيح ليحرر الناس من يهوه ومن شريعته من خلال "الغنوسس" (المعرفة) وليس بالإيمان.  إنه لم يمت حقيقة ولا حاجة لموته لأن نور المعرفة المتوفر عندهم هو المطلوب.

مع أن هناك غنوسية يهودية إلا أن القوة الحقيقية وراء الغنوسية هي الهيلينية متمثلة في الفلسفة اليونانية وخاصة الافلاطونية.  علمت هذه المدرسة الفلسفية أن "الأفكار" غير المرئية هي الحقيقة المطلقة وأن عالمنا "تقليد" غير حقيقي وغير كامل.  الهدف هو الوصول للكمال والبُعد عن كل الأشكال المادية.   كان الفكر اليوناني يحتقر اليهود وشريعتهم بسبب اهتمامها بالأرضيات ومن هنا صارت الأساطير الغنوسية جذابة للكثيرين.


بالطبع رفض الغنوسيون لا العهد القديم فقط بل أجزاء كبيرة من العهد الجديد لاستنادها على القديم.  حارب أباء الكنيسة مثل يوستينوس الشهيد وايريناوس في القرن الثاني هذه الحركات وكان انتشار الغنوسية من الدوافع التي جعلت الأباء يضعون "قانون" لأسفار العهد الجديد حتى لا يحدث لبس في الكنائس.   مع صعود المسيحية في القرون الوسطى اضطرت الغنوسية البقاء بطرق سرية "تحت الأرض" حتى ظهرت في القرون الأخيرة بطريقة علنية.  وللحديث بقية.

Monday, August 14, 2017

الغنوسية: ما هي وموقفها من يسوع المسيح

الغنوسية عبارة عن مجموعة حركات خطيرة موجودة منذ وقت رسل المسيح تتدعى أن أعضاءها هم الذين يمتلكون "المعرفة" ("غنوسس" في اللغة اليونانية). لابد أن تكون معهم لتكون حكيماً لأن المعرفة سرية وغير متاحة للجميع....إنها للنخبة ولديهم مفاتيحها. "لو أردت أن تعرف أسرار الحياة انضم لنا وستكون متفوقاً على باقي البشر". هذا الخطاب في حد ذاته كان ومازال جذاب للكثيرين بغض النظر عن أي تفاصيل أخرى

بالطبع فكر الغنوسيين متأثر جداً بالفلسفة اليونانية التي تقول أن كل ما هو روحي وذهني حسن وكل ما هو مادي وأرضي شرير. فالجسم شرير والهدف أن الإنسان يتحرر منه. المسيح بالنسبة لهم كائن سماوي لكنه لم يأتي كإنسان لديه جسم حقيقي وطبيعة بشرية. البعض قال أنه مجرد شبح ولا إنسان مثلنا ولم يتألم حقيقة بل "شبه" للناس هكذا. البعض الآخر قال أن المسيح السماوي حل على إنسان اسمه يسوع (!) وقت معموديته وجعله يصنع أعماله ويقدم تعاليمه إلا أنه فارقه وقت الصلب فمن مات كان مجرد يسوع ولا الكائن السماوي

مع أن الحركات الغنوسية ازدهرت في القرن الثاني بعد الميلاد إلا أن العهد الجديد
 يحذرنا من تعاليمها التي كانت قد بدأت أثناء حياتهم في النصف الثاني من القرن الأول. ففي رسالة كولوسي يؤكد بولس أن في المسيح "يحل كل ملء اللاهوت جسدياً" (2: 9) وهذه هرطقة للغنوسيين الذي رأوا أن إلههم أعلى من ذلك بكثير ولا يمكن أن يحتك بالمادة. بالنسبة لهم المسيح كائن سماوي لكنه ليس "الله" بل فيه بُعد من أبعاد اللاهوت! واضح أن تأثير الغنوسية قوي للغاية وممتد حتى الآن في الشرق والغرب بأشكال مختلفة وتحت مسميات مختلفة وبتركيبات مختلفة. أيضاً يحارب يوحنا الفكر الغنوسي في كتاباته في يؤكد مرة بعد مرة الأولى أن يسوع هو المسيح ابن الله... ليس يسوع شئ والمسيح شيء آخر! من أول جملة في رسالته الأولى يؤكد أن يسوع لم يكن شبح بل هو كلمة الله الذي صار إنساناً كاملاً وحقيقياً: " الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ." في بشارته يؤكد أن كلمة الله تألم حقيقة وسال دم من جنبه على الصليب وأنه هو يوحنا شاهد ذلك بنفسه وكذلك أمه ومن معها زائد الجند الروماني ومن أتوا بعد موته لدفنه (يوحنا 19: 25-42). يسوع المسيح هو هو من قام في اليوم الثالث وقال لتوما أن يأتي ويرى ويلمس علامات الصلب في يديه وجنبه! المسيح لم يخدع أتباعه بل مات فعلياً من أجلهم ومن أجل محبته لهم ولنا وقام جسدياً في اليوم الثالث. بالطبع الغنوسيين لا يقبلون القيامة من الموت لأنها عودة في نظرهم لجسد الشرير حتى لو كنا نزعم أن الجسد صار ممجداً وغير قابل للفساد مرة أخرى. إنه لم يمت ولم يقم وهذه "حكمة" الغنوسية وهي مازالت معنا ولن تزول لآخر لحظة في التاريخ...وللحديث بقية

Monday, April 10, 2017

أسئلة لقادة الكنائس المصرية وللخدام بعد أحداث أحد السعف الدموية


لا بد الا تمر أحداث 9 أبريل في طنطا والاسكندرية على قيادات الكنائس المصرية  والخدام وقيادات الفكر المسيحي بمصر دون الاستفادة من دروسها.  فعلينا التضرع لله لسماع صوته في هذا الوقت العصيب لكي نفكر تفكيراً كتابياً  صحيحاً وموضوعياً بلا تشويش وبلا البحث عن المصالح.  علينا أن نعرف من الرب ما هي الدروس التي ينبغي أن نتعلمها.  ما نقوله في هذه الفترة يؤثر على أعداد كبيرة من الناس وقد يبنيهم في إيمانهم أو – مع الوقت—يدمرهم حتى لو لم نقصد ذلك.  علينا أن نفكر بحرص طالبين من الرب أن ينقذنا من أفكار مغلوطة ربما اعتدنا ترديدها في الماضي.   يجب علينا أن نتشاور لكي نتعلم من الحكمة المعطاة لبعضنا البعض ولكي نوحد صوتنا قدر المستطاع. هذا ليس وقت الكبرياء ولا الاستعراض.

من هذا المنطلق أريد أن اسأل عدة أسئلة لنا كقادة لا لأنني أعرف بالتأكيد كل ما يريد الرب قوله لكنني مشغول بها:

1.     هل حان الوقت لنقول الحقيقة....لنقول أن المسيحيين مضطهدين في مصر؟  في آخر 4 شهور مات 88 مسيحي في القاهرة والعريش وطنطا والاسكندرية. 

2.     هل من العدل أن ننفي الاضطهاد بحجة أن الأرهاب يضرب الآخرين أيضاً؟  لو كان الإرهاب أعمى كما يزعم البعض لكان ضرب في كل الأماكن الدينية لكنه لم يفعل ذلك.

3.     هل نريد أن نقول كلام ترضى عليه السلطة لنربح المصالح منها أم نقول الحق....أو على الاقل نصمت إن كنا غير شجعاء.

4.     هل حان الوقت لنهيأ شعبنا للإضطهاد ونوقف نبرة "الرب جاي ومصر كلها هتعرفه"؟ من أين تستقون هذه التعاليم؟  لا تتحجج بإشعياء 19 قبل أن تدرس الإصحاح جيداً ولا تستغل النص لتعطى تسكين مزور وطمأنينة زائفة للناس. أفضل المفسرون يرون أن الإصحاح يتكلم بطريقة مجازية (مثل إشعياء 11) عن ممكلة المسيا المنتظر التي ستتوسع لتشمل الأمم ولا إسرائيل فقط.  يقول المفسرون أن المقصود من الإصحاح التأكيد على أن في عصر المسيا أعداء الله القدامى (ممثلين في مصر جنوباً وأشور شمالاً) سيدخلون ملكوته ويتصالحون مع شعبه.  المقصود ليس مصر وأشور فقط بل كل الأمم لأن المسيح جاء لجميع الأمم حسب وعده لإبراهيم في تكوين 12: 3 وكما نرى في المأمورية العظمى في متى 28: 18-20 وأماكن كثيرة. 

لا تفسر إشعياء 19 حرفياً إلا إذا أجبت على هذه الأسئلة:
·        لماذا أخص الله مصر وأشور وإسرائيل (عدد 24)؟ الا يهتم بباقي الأمم؟
·        هل يوجد محاباة عند الله؟ الكتاب يقول لا (رومية 2: 11)
·        أين المدن التي تتكلم لغة كنعان في مصر؟!
أحبائي مصر وأشور وإسرائيل يمثلون كل الأمم ولا وعد خاص لهؤلاء الثلاثة.  لو كان هناك وعد خاص لهم لكنا سمعنا شئ عنه في العهد الجديد لكن الإنجيل صامت تماماً لأن الرسل فهموا التفسير الصحيح.

5.     ألم يأتي الوقت أن نتوقف عن تخدير الناس بوعود مشكوك فيها وشعارات رنانة ونؤهلم للتألم والاضطهاد؟  متى كانت أخر مرة درست فيها تعليم العهد الجديد عن الاضطهاد؟ متى وعظت عن ذلك؟  حضر الرسل كنائسهم للاضطهاد.  انظر مثلاً أعمال 14: 21-22 ورسائل بولس وبطرس والعبرانيين بالاضافة لتعليم السيد نفسه في البشائر. الراعي الأمين يقدم الحق مهما كان صعب ولا يكيف رسالته حسب رغبة المستمع.

6.     علينا استيعاب أن "النصرة" في الإنجيل تأتي عن طريق الألم والشهادة حتى الاستشهاد:  "وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤيا 12: 11).

7.     ألم يأتي الوقت أن نتكلم كما تكلم الكتاب وبالذات العهد الجديد؟  كفاية كلام عن "الأجواء الروحية" ونبوات كاذبة عن مصر وعن المستقبل.  اشغل نفسك بالحق ولا بالأوهام.  بالتأكيد الحق لن يكسبنا الشهرة مثل الأوهام لكن علينا أن نتيقن أننا سنعطى حساباً على خدمتنا وعلى دوافعنا.  فهل دافعنا الشهرة؟ هل نريد جذب الناس والأموال لأهدافنا الخاصة؟ أم دافعنا تمجيد المسيح عن طريق ربح الناس وبناء إيمان شعب الله؟

8.     السؤال الأخير سؤال صعب للغاية:  هل نشجع الناس على الحضور في الكنائس في ظل تكرار هذه الأحداث؟  أم نفعل ما فعلته الكنيسة الأولى والكنيسة في الصين؟  جاوب بحكمة وشجاعة.

من المؤكد أننا سنعطي حساباً....لا تنسى هذه الحقيقة....كل نفس أهملناها وكل نفس دمرناها لأننا وعدانها بأمور لم يتكلم بها الرب أو إننا أهلمنا إعدادها وتملذتها بحسب تعليم الإنجيل.

إننا في وقت حساس ونحن مسئولين قدام الله والتاريخ أن نقف في الثغر لمجد الله ولصالح شعبه المتألم ومن أجل ربح النفوس. علينا أن ندرس ونصلي ونتحاور حتى نعرف مايريد الرب قوله في هذا الوقت.

دعونا نصلي من أجل بعض لأن معركتنا واحدة.






Thursday, March 30, 2017

هل صُلب المسيح فعلياً؟ اثباتات منطقية وتاريخية

حقيقة موت المسيح على الصليب وقيامته الجسدية في اليوم الثالث حقيقة مركزية في المسيحية.  لو لم يمت المسيح على الصليب أو لم يقم من الأموات ليس هناك إيمان مسيحي على الإطلاق. تحت ارشاد الوحي أعطى كُتاب العهد الجديد مساحة كبيرة جداً لأحداث صلب المسيح ودفنه وقيامته وظهروه بعد ذلك.

لكن للأسف الشديد هناك ملايين من البشر يظنون أنهم مؤمنون بالسيد المسيح لكنهم يرفضون حقيقة موته على الصليب وقيامته.  مسيحهم مسيح المعجزات والتعاليم المثالية التي في رأيهم لا يستطيع أحد أن يعيشها.  لا يفهمون لماذا يسمح الله لأحد من أنبيائه أن يتألم ويموت على يد أعداءه.  ألا ينتصر الله على خصومه أم هم المنتصرون؟!

ما يغفلونه هو أن مسيح الإنجيل قال مراراً أنه لابد أن يموت ويقوم:

 وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: "هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ." وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ. (لوقا 18: 31-34)

علينا أن ندرك أن المسيح تنبأ بما سيحدث له وأكد أن الأنبياء قبله أيضاً تكلموا عن نفس الأمور. أي أن التوراة تنبأت بموته وقيامته.  ثانياً لم يفهم تلاميذه الأصليين هذا الكلام لأنهم فهموا التوراة بطريقة غير صحيحة!  هذه قضية هامة من الناحية التاريخية والمنطقية لأنها تظهر أنهم لم يخترعوا فكرة الصلب والقيامة. على العكس تماماً فهم لم يقبلوها في البداية لأنهم كباقي اليهود كانوا منتظرين مسيح قوي يقهر روما بقوة السيف.  عندما تم القبض على المسيح وقتله اصيبوا بحزن شديد وخيبة الأمل.  فكيف كتبوا بعد ذلك عن الصليب والقيامة وكيف بشروا بهذا المسيح وقبلوا الشهادة من أجله؟ الإجابة واضحة:  أنهم رأوا بأعينهم موت المسيح ثم رأوه مقاماً من الأموات بعد ذلك!   لم يقل لهم "أنني لم أمت أصلاً إنها كانت خدعة" بل آراهم علامات الصلب على جسده المقام من القبر. كانت الدلائل القوية هي سبب تغيير معتقداتهم السابقة. أغلب من كتبوا العهد الجديد بوحي من الله كانوا شهود مباشرين للصلب والقيامة ومن لم يشهدوا الأحداث تحدثوا مع كثير من الشهود.  الإنجيل الذي بين أيدينا كُتب أثناء حياة مئات من الشهود الذين عاصروا موت المسيح ورأوه مقاماً من الأموات.

بعد ذلك ادركوا أن المسيح لم يمت بالإكراه ولم يٌهزم بل فهموا كلامه عندما قال قبل موته:
لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبي. (يوحنا 10: 17-18)

اقتناع تلاميذ المسيح بموته وقيامته لم يكن مجرد اقتناعاً فكرياً لكنهم شعروا بفوائده الكبيرة في حياتهم. ادركوا أن المسيح هزم إبليس وبذلك حررهم من عبودية الشر ومن خوف الموت : فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. (عبرانيين 2: 14)

لذلك لا نستغرب أن موت المسيح وقيامته يحتل مساحة كبيرة من العهد الجديد (الإنجيل) نصاً وروحاً وفكراً.

ماذا يقول المنطق والتاريخ؟

رأينا أن المنطق يمنعنا من قبول فكرة أن المسيحيين الأوائل اخترعوا فكرة الصلب لأنها كانت ضد معتقدهم الديني تماماً بل كانت فكرة كريهة لهم.  فلماذا يأتون بها؟ ولماذا يبشرون بمسيح مهزوم بالمعايير السياسية والإنسانية؟  لدينا وثائق تاريخية كثيرة تؤكد أن اليهود (ومنهم المسيحيين الأوائل) توقعوا أنه سيأتي على رأس جيش ليحررهم من الاحتلال ويعيد مجد دولة دواد الملك.
دعونا نفترض أنهم فعلاً لم يخترعوا قصة الصلب بل أنهم خُدعوا عندما رأوا الأحداث الأخيرة في حياة السيد المسيح.  فهل ظنوا أنه قُبض عليه وتم محاكمته وإعدامه من قبل الرومان دون أن تكون هذه أحداث حقيقية؟ 

لو كان الله أنقد السيد المسيح من مؤامرة اليهود التي أدت بهذا الافتراض لإعدام شخص آخر من قبل السلطة الرومانية كنا نتوقع أن تلاميذ المسيح أو أمه مريم أول من يعلمون بذلك.  لماذا لم يأتيهم المسيح المحب ليطمأنهم؟ لماذا لم يأتيهم نبياً أو حُلماً في نفس اللحظة ليكذب ما رأوه وسمعوه؟

على عكس ذلك تماماً ظهر لهم المسيح وآراهم أثر المسامير بعد مع قام من القبر (يوحنا 20: 24-27).

لا يوجد أي شهادة من القرن الأول الميلادي تقول أنه تم تكذيب قصة الصليب.  كل المعاصرون علموا بصلب المسيح بغض النظر لتحليلهم لما حدث. فهل بعد انتشار الخبر في أنحاء العالم يجوز انكاره بعد مئات السنين؟ هل يخدع الله شعبه فيتركهم لأوهامهم؟  هل يسمح لخدعة أن تنتشر على مدار ألفي عام؟

يمكن لأحدهم أن يزعم أن الله صحح المعلومة لكن تلاميذ المسيح تمسكوا بالأكذوبة.  نعود ونسأل لماذا يتمسكون برواية كريهة لليهود وللرومان معاً؟!  كيف يتوقعون ربح الناس لرواية مصنعة تأتي بعكس ما يرغب فيه البشر؟! لماذا يحرفون الحقيقة بطريقة ليست في صالحهم؟ هل من المنطق أن نقول هذا؟

ماذا يقول المؤرخون؟

كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس والذي عاش بعد السيد المسيح مباشرة (37 – 100 م) وعاصر حياة وتبشير اتباعه أن يسوع صُلب في عصر الوالي الروماني بيلاطس تماماً كما يقول الإنجيل. جاء ذلك في كتابه عاديات اليهود، الجزء 18، الفصل الثالث.

أيضاً يقول المؤرخ الروماني تاسيتس (عاش 56-117 م) في كتابه الحوليات (15، 44) أن المسيح صُلب في عصر الامبراطور طيبيريوس (حكمه 14-37 م) تماماً كما يقول الإنجيل.

بالاضافة لشهادة هذين المؤرخين المشهورين هناك خطاب من عام 73 م لفليسوف سوري اسمه مارا بن سرابيوم لابنه يقول فيه أن اليهود قتلوا ملكهم الحكيم ومن ذلك الوقت تشتتوا.  جدير بالذكر أن الرومان دمروا أورشليم وشتتوا اليهود عام 70 م أي قبل الخطاب بثلاث سنين.

بذلك لدينا شهادة المسيحيين داخل وخارج الإنجيل وشهادة اليهود وشهادة الرومان أن المسيح صُلب فعلياً.  ليس لدينا أي مستند من أي طرف في القرن الأول يكذب القصة.  لا يوجد "إنجيل" آخر من هذه الفترة التاريخية الحاسمة يقدم لنا رواية مختلفة.  لذلك يقبل العلماء حتى غير المسيحيين وحتى الملحدين حقيقة صلب المسيح في عصر الوالي الروماني بيلاطس أثناء حكم تيبيريوس قيصر.
علينا نحن أيضاً أن نقبل هذه الحقيقة ونتعامل معها ونفهمها لأنه لا يمكن تجاهلها.  لماذا مات؟ وماذا حدث بعد موته؟ وماذا يعني كل ذلك لك؟

(انظر أيضاً مقالنا تحت عنوان "الله قدم برهاناً قوياً على صدق المسيحية")



Wednesday, November 25, 2015

هل تعرف أقوى برهان على صدق المسيحية؟

رسالة المسيحية مبنية على أحداث تاريخية قابلة للدراسة والتحقق منها.   فكل ما تقوله المسيحية عن الله والغفران والمحبة وعن مستقبل العالم مؤسس على أحداث حياة يسوع المسيح على الأرض وعلى موته وقيامته.  لو صحت هذه الأمور (حياة يسوع، موته، قيامته) لتبين صحة الإنجيل كله ولو استطعنا اثبات عدم صحتها فسقط الإنجيل وسقطت المسيحية.  قد يبدو هذا الكلام متطرف إذ يسأل المرء "ماذا عن قيم المسيحية ... هل تسقط هي أيضاَ؟"  الإجابة هي إن المسيحية لا تتجزأ ولا معنى لقيمها دون سردها للتاريخ الذي يبدأ بالخلق وينتهي بالمجيء الثاني للمسيح.

توجد أدلة بلا عدد تبرهن على حياة المسيح وموته.  كل الشهود من القرن الأول الذي عاش فيه المسيح تقر وجوده وموته.... لا يوجد أي من معاصيره ينكر حقيقة وجوده في التاريخ وحقيقة صلبه.  من الضمن الشهود هناك:

1.      شهادة كتابات المسيحيين خارج الإنجيل (يوجد عشرات المؤلفات من القرن الأول)
2.      شهادة الإنجيل نفسه الذي كتب أثناء حياة الشهود الأوائل.  
3.      شهادة اليهود مثل المؤرخ يوسيفوس من القرن الأول
4.      شهادة المؤرخين الرومان لاسيما تاسيتس التي نفذت دولتهم صلب المسيح
لكن ما هو أهم من اثبات موته هو اثبات قيامته من الأموات وهذا للأسباب الآتية:

-لو كان المسيح مات ولم يقم من الأموات لسقط الإنجيل تماماً لأن الخلاص الذي يقدمه المسيح قائم على الصليب والقيامة معاً (1 كورنثوس 15: 14-19).  لو كان المسيح مازال ميتاً الآن فشهادة الرسل والإنجيل مغلوطة ولا يوجد رجاء للحياة الأبدية.
-اثبات القيامة أهم من اثبات الموت لسبب بسيط جداً الا وهو أننا لو استطعنا اثبات القيامة سنكون قد أثبتنا موته أيضاً هذا لأن القيامة هي قيامة من الأموات.   بطبيعة الأمر لن يكون هناك قيامة بلا موت مسبق!

إذا فالسؤال الخطير هو: هل توجد دلائل تاريخية على القيامة؟  بكل تأكيد توجد براهين قوية تثبت أن يسوع المسيح فعلاً قام من الأموات.    لا ننسى أن بحسب كل الشهود سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين فإن أحداث حياة وموت المسيح كانت أحداث معروفة ولم تتم في السر.  عداء اليهود له كان معروفاً وهكذا أحداث صلبه أحداث رسمية ومعلنة بطبيعة أمرها بالإضافة إنها تمت أثناء عيد الفصح اليهودي عندما كانت أورشليم مكتظة بالمعيدين.  إذا ما هي البراهين التي تثبت أنه قام من الأموات كما قال رسله وكما كتبوا في الإنجيل؟

1.      أتباعه لم يتوقعوا القيامة رغم أنه تنبأ عنها. الشعب اليهودي عامة لم ينتظر القيامة حتى نهاية التاريخ. بالتالي أحداث صلب المسيح أصابت تلاميذ المسيح بالاكتئاب والحيرة كما نرى مثلاً في حديث تلميذي عمواس (لوقا 24: 13 -25). كانت نية النساء اللواتي ذهبن للقبر فجر الأحد تحنيط الجسد المائت.  لم تصدق مريم المجدلية أنه قام من الأموات حتى لما رأت الحجر مدحرج ولم تجد الجسد!  لما ظهر لها المسيح المقام ظنت أنه البستاني (يوحنا 20: 11-18).  توما وهو أحد التلاميذ الاثني عشر رفض تصديق خبر القيامة إلا لو عاين المسيح شخصياً بعلامات الصلب على جسمه ولمس جروحه (يوحنا 20: 24-29).  كل هذه الشهادات تؤكد أن أتباع المسيح لم يتوقعوا القيامة على الاطلاق لأنهم ظنوا أن المسيح سيؤسس ملكه بطريقة سياسية أثناء حياته فكانت حادثة الصلب محطمة لكل آمالهم.
 
2.      بسبب مخاوف اليهود من سرقة الجثمان وبناء على طلبهم أمر بيلاطس الوالي الروماني بتأمين قبر المسيح عن طريق:

a.       وضع حجرة كبيرة مختومة لا يستطيع أحد تحريكها بسهولة (متى 27: 66، مرقس 16: 2). 
b.      وجود حراسة رومانية عند القبر (متى 27: 65-66)
فمن دحرج الحجرة في وجود الحراس؟ لم يكن للمسيحيين الاستعداد للقيام بمثل هذا العمل الجريء وهم في حالة من الرعب والكآبة كما أوضحنا.  بالطبع لن يفعل اليهود أو الرومان هذا الأمر الذي لم يكن في صالحهم.  يقول الإنجيل أن ملاكاً هو الذي دحرج الحجر وأنه ظهر للنساء عند القبر (متى 28: 1-6).  لا يوجد سبب معقول لرفض شهادتهن وشهادة الإنجيل خاصة في ظل الظروف النفسية والسياسية والميدانية وقتئذ.  (وجود الأكفان مرتبة داخل القبر اثبات آخر أن أحد لم يسرق الجثمان. يوحنا 20: 5-7).

ما هو أكثر من ذلك ويؤكده هو عدم تقديم جثمان يسوع المسيح من قبل اليهود أو أي طرف آخر حتى الآن علماً بأن مساحة أورشليم محدودة إذ كان بإمكان المسؤولين منع تهريب الجثمان أو العثور عليه لاحقاً.  لو كانوا قدموا الجثمان للرأي العام ما كانت المسيحية انطلقت وانتشرت.

3.          ظهر المسيح بعد قيامته عدة مرات لمدة 40 يوم قبل صعوده للسماء. هذه المرات كانت في أماكن عدة داخل الجدران وخارجها وفي أوقات مختلفة من اليوم.  من المذهل أنه ظهر ل 500 شخص مرة واحدة معظمهم عاش عقود بعد الحدث.  هذا ما يقره الرسول بولس 25 سنة بعد القيامة في رسالة كورنثوس الأولى 15: 3-7.  أي حدث له 500 شاهد يعتبر حدثاً مؤكداً تماماً من الناحية المنطقية والقانونية.  كان بإمكان أي كاتب يهودي أو غيره مواجهة هذه الادعاءات لو لم تكن حقيقية.  لا يوجد أي مستند من القرن الأول يقول إن أحد الشهود غير شهادته أو أن بولس أدعى شيء غير قابل للتحري والتحقق.

4.      القيامة أحدثت تحولاً مذهلاً في حالة التلاميذ والمسيحيين الأوائل.  الخوف تبدل بالشجاعة والحيرة باليقين والضعف بالقوة.  بدأوا فوراً في إعلان قيامة المسيح في كل مكان قدام الصغير والكبير ومن أجلها تحملوا الاضطهاد والموت (أعمال 23: 6).  لماذا قبلت أعداد مهولة من المسيحيين التعذيب من أجل خبر مصطنع أو غير مؤكد؟  هذا لأن الذين لم يروا بأنفسهم صدقوا مصداقية الشهود الكثيرين وأيضاً اختبروا هم شخصياً قوة المسيح المقام.  لذلك انتشرت رسالة الإنجيل دون اللجوء للعنف أو باستخدام أي نوع من الإغراء.

كل هذا جعل الرسول بولس يعلن بكل مجاهرة في أثينا عاصمة الفلسفة والثقافة:

"فَاللهُ الآنَ يَدْعُو جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ تَائِبِينَ، وَقَدْ غَضَّ النَّظَرَ عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ الَّتِي مَرَّتْ، لأَنَّهُ حَدَّدَ يَوْماً يَدِينُ فِيهِ الْعَالَمَ بِالْعَدْلِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ اخْتَارَهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمَ لِلْجَمِيعِ بُرْهَاناً، إِذْ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات." (أعمال 17: 30-31 من ترجمة كتاب الحياة الذي أوضح معنى تصريح الرسول خاصة كلمة "برهانا" وهكذا كل الترجمات الأجنبية والأصل).

القيامة برهان على أن الإنجيل صحيح وعلى أن المسيح سيدين العالم في المستقبل!  لو كان لدى بولس شك في القيامة ما كان يجاهر بهذه الحقيقة.  القيامة تثبت كل ما قاله الإنجيل.


عزيزي الله لم يطلب منا أن نصدق شيء صعب أو غير منطقي. لقد تنازل الله وقدم لنا برهاناً كافياً ولا يوجد أقوى منه أو أفضل منه.  فعليك وعلى إذا أن نتوب عن كبريائنا ونقبل يسوع المسيح المصلوب من أجلنا والمقام بقوة الله.  إن لم نفعل هذا فنحن نرفض برهان الله وهكذا نكذبه!  هل لديك اثبات أن القيامة ليست حقيقية بعد ما غيرت حياة الملايين في كل جيل؟  الله قدم اثباته ليطمئن قلبك فهل تقبل؟ هل لديك ما يكذب الخبر؟ إذا لماذا لا تؤمن وتتبع المخلص الحي وتعمل عمله؟  

Saturday, November 7, 2015

هل مصر لها وعد خاص في إشعياء 19؟

حول تفسير إشعياء 19

كمصريين نحن نحب إشعياء 19 ونفتخر أن الرب يسمي مصر "شعبي" في عدد 25.   إلا أن تفسير هذا الجزء من إشعياء يقودنا في اتجاه مختلف.  لا يرى المفسرون هنا ميزة روحية تخص مصر وحدها لكن نبوة عنما يحدث عالمياُ في عصر المسيح.
الخلفية التاريخية هي أن مصر وأشور كانا يمثلا أعداء شعب الله في العهد القديم.   استعبد شعب الله في مصر من أيام يوسف لموسى 430 سنة.  ثم بعد ذلك صارت أشور (والمقصود غالبا بابل أيضاً) مهددة لشعب الله.

في وقت النبي إشعياء بالتحديد كانت أشور دولة عظمى وبدأت في استعمار الدول المجاورة ليهوذا.  سقطت إسرائيل المملكة الشمالية سنة 722 ق م وهدد الأشوريون يهوذا وعاصمتها أورشليم لولا تدخل الرب (إشعياء 36-37).  إلا أن البعض في يهوذا حاول الاستعانة بمصر ضد التهديد الأشوري (إشعياء 31: 1):

ويْلٌ لِلَّذِينَ يَنْزِلُونَ إِلَى مِصْرَ لِلْمَعُونَةِ، وَيَسْتَنِدُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الْمَرْكَبَاتِ لأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، وَعَلَى الْفُرْسَانِ لأَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ جِدًّا، وَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَطْلُبُونَ الرَّبَّ.

اذاً هذا هو السياق التاريخي الذي ينبغي أن يراعى عند تفسير إشعياء 19 ومنه نرى عظمة النبوة الموجودة في الأعداد 23-25:

فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ، فَيَجِيءُ الأَشُّورِيُّونَ إِلَى مِصْرَ وَالْمِصْرِيُّونَ إِلَى أَشُّورَ، وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُّورِيِّينَ.  فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثُلُثًا لِمِصْرَ وَلأَشُّورَ، بَرَكَةً فِي الأَرْضِ، بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ».

يعلن الله على فم إشعياء حقيقة غير متوقعة اطلاقاً: أن العدو الحالي (أشور) والعدو السابق (مصر) سيتحدون معك يا شعبي في عبادتي!! إنها نبوة عن التحول الذي سيحدث عند مجيء المسيا المنتظر أي أنه سيغير حال الأمم المعادية ويجعلهم من ضمن شعبه!  مصر تكون شعبه، أشور عمل يديه وإسرائيل ميراثه.  المصطلحات الثلاثة مترادفة: شعبي، عمل يدي، ميراثي والمعنى واضح: "ستنتهي الخصومات وستتوحد الأمم في عبادة الله."  اجمع المفسرون أن مصر وأشور يمثلا الأمم الذين سيدخلها الله إلى عهده مع إبراهيم كما قال الرسول بولس في العهد الجديد (غلاطية 3: 13-14):

المسيح افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خشبة لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ.

بسبب عمل المسيح كل الذين يؤمنون به صاروا واحد دون تمييز بين اليهود والأمم أو بين الأمم وبعضها (غلاطية 3: 26-29):
أَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ.

في ضوء التفسير الصحيح لإشعياء 19 وتفسير العهد الجديد للنبوات لا يعقل أن الله له الآن عرقية مفضلة.  شعبه مكون من المؤمنين من كل الأمم على حد سواء: مصر، إسرائيل، أشور، كينيا، الصين، البرازيل، الخ....

واضح أن كلمات إشعياء 19 مجازية بدليل أن "السكة" المذكورة في عدد 23 لم تبنى بعد فهي تعبر عن معنى روحي (الوحدة والتواصل).  لو أصيرنا أنها حرفية إذا فهي ستحدث في المستقبل وفي هذه الحالة تكون مصر شعب الله في المستقبل وليس الآن وهكذا تعود أشور وإسرائيل للرب أيضاً والثلاثة يكونون أمة واحدة.  لا أفضل هذا التفسير ولا يفضله المفسرون...فماذا عن باقي الأمم؟!  لماذا يميز الله هذه الدول الثلاثة بالذات؟

هل يعني هذا أننا كمصريين لا نستفاد من كلمات إشعياء 19؟  بالطبع نستفاد: كل مصري يؤمن بالمسيح ينطبق عليه وعود الإصحاح في المسيح. لكننا لا نجد فيه وعد قومي وهذا التفسير وهمي ويقود لاستنتاجات كثيرة خاطئة.   إشعياء 19 تعد بتصالح كل الأمم مع الله ومع شعبه القديم (انظر أيضاً كلام بولس في رومية 11).
بعض المراجع المستخدمة:
J. A. Alexander, The Prophecies of Isaiah, Zondervan Publishing House, 1981
J. Alex Motyer, The Prophecy of Isaiah, Intervarsity Press, 1993

Geneva Study Bible, Thomas Nelson Publishers, 1995

Wednesday, November 4, 2015

هل بدأ المسيح ملكه؟

نعم، المسيح يملك من صهيون السماوية منذ صعوده إلى يمين الله الآب!

هذا واضح كل الوضوح من مزمور 110: 1-2 وتفسير العهد الجديد لكلماته.

قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك
يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك

أوضح الرسول بطرس يوم الخمسين أن جلوس المسيح عن يمين الآب تم فعلياً عند صعوده للسماء:
وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه لأن داود لم يصعد إلى السماوات. وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك (أعمال 2: 33-35).

الجلوس هنا يشير إلى المُلك وهذا واضح من مزمور 110: 2 "تسلط".  واضح أيضاً إن هذا المُلك لا يعني إن إخضاع الأعداء قد تم بشكل نهائي بل هو تمهيد لإخضاع الأعداء.  "تسلط في وسط أعدائك".  الأعداء موجودون حتى الآن لكن الملك يسوع جالس على كرسيه حتى يخضعهم الآب تحت رجليه.

أحبائي نتعلم من هذا إن مخلصنا منتصر ومالك الآن وبسبب ذلك انتشر الإنجيل منذ ذلك الزمن لكل مكان في العالم.  هذا الكلام لا يحتاج لملك ألفي لكي يتحقق إذ أنه متسلط الآن....

وأيضاً يعمل بقوة الآن... "يرسل الرب قضيب عزك من صهيون". هذا الكلام لا ينطبق على المستقبل بل على الحاضر لأن الملك يسوع المسيح يملك الآن من صهيون السماوية ومن هناك يخرج قضيب عزه.  أي أن قوته تمتد في كل مكان من عاصمته أورشليم السماوية.  فسر الرسول بطرس هذا في نفس العظة المشار إليه سابقا (أول عظة بعد الصعود): "وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه" (أعمال 2: 33).

يسوع الملك ينفذ خطته عن طريق الروح القدس في كل مكان.  من خلال الروح يخضع أعداءه فيأتون إليه كما حدث يوم الخمسين.  أحيانا عمله واضح بطريقة علنية لكن في أغلب الأوقات العمل مستتر. 

العهد الجديد يؤكد هذه المعاني عندما يتحدث عن أورشليم السماوية ليس فقط في المستقبل لكن الآن أيضاً:

لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة، فإنها مستعبدة مع بنيها وأما أورشليم العليا، التي هي أمنا جميعا، فهي حرة (غلاطية 4: 25-26).

في الأصل اليوناني الرسول بولس يستخدم فعل الكينونة المضارع مرتين في عدد 26 أي أن أورشليم العليا حرة الآن ونحن أولادها ومواطنيها الآن.  يضع بولس عاصمة الملك السماوية في مقابلة مع أورشليم الأرضية المستعبدة فيقول لنا "لا تنظر للمدينة الأرضية بل إلى تلك التي لها أساسات التي صانعها وبارئها هو الله".
ما يؤكد هذه المعاني أيضاً كلمة المسيح الملك لكنيسته فيلادلفيا: 

واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا: هذا يقوله القدوس الحق، الذي له مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح (رؤيا 3: 7).

الملك الذي يحكم أورشليم لابد أن يكون من نسل داود الذي وعده الرب أن نسله يجلس على كرسيه للأبد (مزمور 89: 29، 35).  بالفعل وُلد يسوع من عائلة داود وبالفعل تسلم "مفتاح" السلطة والمُلك عندما قام من الأموات وصعد إلى أورشليم السماوية:

فتقدم يسوع وكلمهم قائلا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين (متى 28: 18-20)

فاستلم الرب يسوع سلطته الملكية كابن داود عندما قام وصعد ولذلك أمرنا أن نتلمذ الأمم واثقين من النجاح ومن معيته لنا إلى انقضاء الدهر الحالي.  إنه يمد لنا "قضيب عزته" ونحن عاملون معه في حقله.  أيضاً له سلطة حتى على الأعداء الذين لا يؤمنون فيعد الكنيسة في فيلادلفيا أنه يفتح لهم باباً لا يستطيع أحد أن يغلقه وأنه سيجعل أعداءهم يسجدون أمامهم (رؤيا 3: 8-9).  ثق أن ملكك ليس بضعيف!  إنه يملك وسط أعدائه.
من الملفت أنه في نهاية رسالته إلى فيلادلفيا يذكر مدينته أورشليم السماوية التي يملك منها (رؤيا 3: 12).
وعود العهد القديم عن ملك المسيا بدأ تنفيذها فعلياً لحظة القيامة ولو بطريقة لم يتوقعها اليهود.  لا تخف أيها المؤمن مسيحك يملك من المدينة السماوية ويرسل لك القوة لكي تخبر به وتشترك مع إخوتك في تلمذة الأمم له.  إنه يبني الكنيسة الحقيقية بطريقته وعندما ينتهي من ذلك سيأتي بقوة ليبيد ما تبقى من مقاومة وعندئذ يُستعلن ملكه ويظهر مجده أمام الجميع.  عندئذ أيضاً تظهر المدينة السماوية بكل مجدها.  أمين تعالي يا رب يسوع.