Thursday, March 30, 2017

هل صُلب المسيح فعلياً؟ اثباتات منطقية وتاريخية

حقيقة موت المسيح على الصليب وقيامته الجسدية في اليوم الثالث حقيقة مركزية في المسيحية.  لو لم يمت المسيح على الصليب أو لم يقم من الأموات ليس هناك إيمان مسيحي على الإطلاق. تحت ارشاد الوحي أعطى كُتاب العهد الجديد مساحة كبيرة جداً لأحداث صلب المسيح ودفنه وقيامته وظهروه بعد ذلك.

لكن للأسف الشديد هناك ملايين من البشر يظنون أنهم مؤمنون بالسيد المسيح لكنهم يرفضون حقيقة موته على الصليب وقيامته.  مسيحهم مسيح المعجزات والتعاليم المثالية التي في رأيهم لا يستطيع أحد أن يعيشها.  لا يفهمون لماذا يسمح الله لأحد من أنبيائه أن يتألم ويموت على يد أعداءه.  ألا ينتصر الله على خصومه أم هم المنتصرون؟!

ما يغفلونه هو أن مسيح الإنجيل قال مراراً أنه لابد أن يموت ويقوم:

 وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: "هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ." وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ. (لوقا 18: 31-34)

علينا أن ندرك أن المسيح تنبأ بما سيحدث له وأكد أن الأنبياء قبله أيضاً تكلموا عن نفس الأمور. أي أن التوراة تنبأت بموته وقيامته.  ثانياً لم يفهم تلاميذه الأصليين هذا الكلام لأنهم فهموا التوراة بطريقة غير صحيحة!  هذه قضية هامة من الناحية التاريخية والمنطقية لأنها تظهر أنهم لم يخترعوا فكرة الصلب والقيامة. على العكس تماماً فهم لم يقبلوها في البداية لأنهم كباقي اليهود كانوا منتظرين مسيح قوي يقهر روما بقوة السيف.  عندما تم القبض على المسيح وقتله اصيبوا بحزن شديد وخيبة الأمل.  فكيف كتبوا بعد ذلك عن الصليب والقيامة وكيف بشروا بهذا المسيح وقبلوا الشهادة من أجله؟ الإجابة واضحة:  أنهم رأوا بأعينهم موت المسيح ثم رأوه مقاماً من الأموات بعد ذلك!   لم يقل لهم "أنني لم أمت أصلاً إنها كانت خدعة" بل آراهم علامات الصلب على جسده المقام من القبر. كانت الدلائل القوية هي سبب تغيير معتقداتهم السابقة. أغلب من كتبوا العهد الجديد بوحي من الله كانوا شهود مباشرين للصلب والقيامة ومن لم يشهدوا الأحداث تحدثوا مع كثير من الشهود.  الإنجيل الذي بين أيدينا كُتب أثناء حياة مئات من الشهود الذين عاصروا موت المسيح ورأوه مقاماً من الأموات.

بعد ذلك ادركوا أن المسيح لم يمت بالإكراه ولم يٌهزم بل فهموا كلامه عندما قال قبل موته:
لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبي. (يوحنا 10: 17-18)

اقتناع تلاميذ المسيح بموته وقيامته لم يكن مجرد اقتناعاً فكرياً لكنهم شعروا بفوائده الكبيرة في حياتهم. ادركوا أن المسيح هزم إبليس وبذلك حررهم من عبودية الشر ومن خوف الموت : فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. (عبرانيين 2: 14)

لذلك لا نستغرب أن موت المسيح وقيامته يحتل مساحة كبيرة من العهد الجديد (الإنجيل) نصاً وروحاً وفكراً.

ماذا يقول المنطق والتاريخ؟

رأينا أن المنطق يمنعنا من قبول فكرة أن المسيحيين الأوائل اخترعوا فكرة الصلب لأنها كانت ضد معتقدهم الديني تماماً بل كانت فكرة كريهة لهم.  فلماذا يأتون بها؟ ولماذا يبشرون بمسيح مهزوم بالمعايير السياسية والإنسانية؟  لدينا وثائق تاريخية كثيرة تؤكد أن اليهود (ومنهم المسيحيين الأوائل) توقعوا أنه سيأتي على رأس جيش ليحررهم من الاحتلال ويعيد مجد دولة دواد الملك.
دعونا نفترض أنهم فعلاً لم يخترعوا قصة الصلب بل أنهم خُدعوا عندما رأوا الأحداث الأخيرة في حياة السيد المسيح.  فهل ظنوا أنه قُبض عليه وتم محاكمته وإعدامه من قبل الرومان دون أن تكون هذه أحداث حقيقية؟ 

لو كان الله أنقد السيد المسيح من مؤامرة اليهود التي أدت بهذا الافتراض لإعدام شخص آخر من قبل السلطة الرومانية كنا نتوقع أن تلاميذ المسيح أو أمه مريم أول من يعلمون بذلك.  لماذا لم يأتيهم المسيح المحب ليطمأنهم؟ لماذا لم يأتيهم نبياً أو حُلماً في نفس اللحظة ليكذب ما رأوه وسمعوه؟

على عكس ذلك تماماً ظهر لهم المسيح وآراهم أثر المسامير بعد مع قام من القبر (يوحنا 20: 24-27).

لا يوجد أي شهادة من القرن الأول الميلادي تقول أنه تم تكذيب قصة الصليب.  كل المعاصرون علموا بصلب المسيح بغض النظر لتحليلهم لما حدث. فهل بعد انتشار الخبر في أنحاء العالم يجوز انكاره بعد مئات السنين؟ هل يخدع الله شعبه فيتركهم لأوهامهم؟  هل يسمح لخدعة أن تنتشر على مدار ألفي عام؟

يمكن لأحدهم أن يزعم أن الله صحح المعلومة لكن تلاميذ المسيح تمسكوا بالأكذوبة.  نعود ونسأل لماذا يتمسكون برواية كريهة لليهود وللرومان معاً؟!  كيف يتوقعون ربح الناس لرواية مصنعة تأتي بعكس ما يرغب فيه البشر؟! لماذا يحرفون الحقيقة بطريقة ليست في صالحهم؟ هل من المنطق أن نقول هذا؟

ماذا يقول المؤرخون؟

كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس والذي عاش بعد السيد المسيح مباشرة (37 – 100 م) وعاصر حياة وتبشير اتباعه أن يسوع صُلب في عصر الوالي الروماني بيلاطس تماماً كما يقول الإنجيل. جاء ذلك في كتابه عاديات اليهود، الجزء 18، الفصل الثالث.

أيضاً يقول المؤرخ الروماني تاسيتس (عاش 56-117 م) في كتابه الحوليات (15، 44) أن المسيح صُلب في عصر الامبراطور طيبيريوس (حكمه 14-37 م) تماماً كما يقول الإنجيل.

بالاضافة لشهادة هذين المؤرخين المشهورين هناك خطاب من عام 73 م لفليسوف سوري اسمه مارا بن سرابيوم لابنه يقول فيه أن اليهود قتلوا ملكهم الحكيم ومن ذلك الوقت تشتتوا.  جدير بالذكر أن الرومان دمروا أورشليم وشتتوا اليهود عام 70 م أي قبل الخطاب بثلاث سنين.

بذلك لدينا شهادة المسيحيين داخل وخارج الإنجيل وشهادة اليهود وشهادة الرومان أن المسيح صُلب فعلياً.  ليس لدينا أي مستند من أي طرف في القرن الأول يكذب القصة.  لا يوجد "إنجيل" آخر من هذه الفترة التاريخية الحاسمة يقدم لنا رواية مختلفة.  لذلك يقبل العلماء حتى غير المسيحيين وحتى الملحدين حقيقة صلب المسيح في عصر الوالي الروماني بيلاطس أثناء حكم تيبيريوس قيصر.
علينا نحن أيضاً أن نقبل هذه الحقيقة ونتعامل معها ونفهمها لأنه لا يمكن تجاهلها.  لماذا مات؟ وماذا حدث بعد موته؟ وماذا يعني كل ذلك لك؟

(انظر أيضاً مقالنا تحت عنوان "الله قدم برهاناً قوياً على صدق المسيحية")



Wednesday, November 25, 2015

هل تعرف أقوى برهان على صدق المسيحية؟

رسالة المسيحية مبنية على أحداث تاريخية قابلة للدراسة والتحقق منها.   فكل ما تقوله المسيحية عن الله والغفران والمحبة وعن مستقبل العالم مؤسس على أحداث حياة يسوع المسيح على الأرض وعلى موته وقيامته.  لو صحت هذه الأمور (حياة يسوع، موته، قيامته) لتبين صحة الإنجيل كله ولو استطعنا اثبات عدم صحتها فسقط الإنجيل وسقطت المسيحية.  قد يبدو هذا الكلام متطرف إذ يسأل المرء "ماذا عن قيم المسيحية ... هل تسقط هي أيضاَ؟"  الإجابة هي إن المسيحية لا تتجزأ ولا معنى لقيمها دون سردها للتاريخ الذي يبدأ بالخلق وينتهي بالمجيء الثاني للمسيح.

توجد أدلة بلا عدد تبرهن على حياة المسيح وموته.  كل الشهود من القرن الأول الذي عاش فيه المسيح تقر وجوده وموته.... لا يوجد أي من معاصيره ينكر حقيقة وجوده في التاريخ وحقيقة صلبه.  من الضمن الشهود هناك:

1.      شهادة كتابات المسيحيين خارج الإنجيل (يوجد عشرات المؤلفات من القرن الأول)
2.      شهادة الإنجيل نفسه الذي كتب أثناء حياة الشهود الأوائل.  
3.      شهادة اليهود مثل المؤرخ يوسيفوس من القرن الأول
4.      شهادة المؤرخين الرومان لاسيما تاسيتس التي نفذت دولتهم صلب المسيح
لكن ما هو أهم من اثبات موته هو اثبات قيامته من الأموات وهذا للأسباب الآتية:

-لو كان المسيح مات ولم يقم من الأموات لسقط الإنجيل تماماً لأن الخلاص الذي يقدمه المسيح قائم على الصليب والقيامة معاً (1 كورنثوس 15: 14-19).  لو كان المسيح مازال ميتاً الآن فشهادة الرسل والإنجيل مغلوطة ولا يوجد رجاء للحياة الأبدية.
-اثبات القيامة أهم من اثبات الموت لسبب بسيط جداً الا وهو أننا لو استطعنا اثبات القيامة سنكون قد أثبتنا موته أيضاً هذا لأن القيامة هي قيامة من الأموات.   بطبيعة الأمر لن يكون هناك قيامة بلا موت مسبق!

إذا فالسؤال الخطير هو: هل توجد دلائل تاريخية على القيامة؟  بكل تأكيد توجد براهين قوية تثبت أن يسوع المسيح فعلاً قام من الأموات.    لا ننسى أن بحسب كل الشهود سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين فإن أحداث حياة وموت المسيح كانت أحداث معروفة ولم تتم في السر.  عداء اليهود له كان معروفاً وهكذا أحداث صلبه أحداث رسمية ومعلنة بطبيعة أمرها بالإضافة إنها تمت أثناء عيد الفصح اليهودي عندما كانت أورشليم مكتظة بالمعيدين.  إذا ما هي البراهين التي تثبت أنه قام من الأموات كما قال رسله وكما كتبوا في الإنجيل؟

1.      أتباعه لم يتوقعوا القيامة رغم أنه تنبأ عنها. الشعب اليهودي عامة لم ينتظر القيامة حتى نهاية التاريخ. بالتالي أحداث صلب المسيح أصابت تلاميذ المسيح بالاكتئاب والحيرة كما نرى مثلاً في حديث تلميذي عمواس (لوقا 24: 13 -25). كانت نية النساء اللواتي ذهبن للقبر فجر الأحد تحنيط الجسد المائت.  لم تصدق مريم المجدلية أنه قام من الأموات حتى لما رأت الحجر مدحرج ولم تجد الجسد!  لما ظهر لها المسيح المقام ظنت أنه البستاني (يوحنا 20: 11-18).  توما وهو أحد التلاميذ الاثني عشر رفض تصديق خبر القيامة إلا لو عاين المسيح شخصياً بعلامات الصلب على جسمه ولمس جروحه (يوحنا 20: 24-29).  كل هذه الشهادات تؤكد أن أتباع المسيح لم يتوقعوا القيامة على الاطلاق لأنهم ظنوا أن المسيح سيؤسس ملكه بطريقة سياسية أثناء حياته فكانت حادثة الصلب محطمة لكل آمالهم.
 
2.      بسبب مخاوف اليهود من سرقة الجثمان وبناء على طلبهم أمر بيلاطس الوالي الروماني بتأمين قبر المسيح عن طريق:

a.       وضع حجرة كبيرة مختومة لا يستطيع أحد تحريكها بسهولة (متى 27: 66، مرقس 16: 2). 
b.      وجود حراسة رومانية عند القبر (متى 27: 65-66)
فمن دحرج الحجرة في وجود الحراس؟ لم يكن للمسيحيين الاستعداد للقيام بمثل هذا العمل الجريء وهم في حالة من الرعب والكآبة كما أوضحنا.  بالطبع لن يفعل اليهود أو الرومان هذا الأمر الذي لم يكن في صالحهم.  يقول الإنجيل أن ملاكاً هو الذي دحرج الحجر وأنه ظهر للنساء عند القبر (متى 28: 1-6).  لا يوجد سبب معقول لرفض شهادتهن وشهادة الإنجيل خاصة في ظل الظروف النفسية والسياسية والميدانية وقتئذ.  (وجود الأكفان مرتبة داخل القبر اثبات آخر أن أحد لم يسرق الجثمان. يوحنا 20: 5-7).

ما هو أكثر من ذلك ويؤكده هو عدم تقديم جثمان يسوع المسيح من قبل اليهود أو أي طرف آخر حتى الآن علماً بأن مساحة أورشليم محدودة إذ كان بإمكان المسؤولين منع تهريب الجثمان أو العثور عليه لاحقاً.  لو كانوا قدموا الجثمان للرأي العام ما كانت المسيحية انطلقت وانتشرت.

3.          ظهر المسيح بعد قيامته عدة مرات لمدة 40 يوم قبل صعوده للسماء. هذه المرات كانت في أماكن عدة داخل الجدران وخارجها وفي أوقات مختلفة من اليوم.  من المذهل أنه ظهر ل 500 شخص مرة واحدة معظمهم عاش عقود بعد الحدث.  هذا ما يقره الرسول بولس 25 سنة بعد القيامة في رسالة كورنثوس الأولى 15: 3-7.  أي حدث له 500 شاهد يعتبر حدثاً مؤكداً تماماً من الناحية المنطقية والقانونية.  كان بإمكان أي كاتب يهودي أو غيره مواجهة هذه الادعاءات لو لم تكن حقيقية.  لا يوجد أي مستند من القرن الأول يقول إن أحد الشهود غير شهادته أو أن بولس أدعى شيء غير قابل للتحري والتحقق.

4.      القيامة أحدثت تحولاً مذهلاً في حالة التلاميذ والمسيحيين الأوائل.  الخوف تبدل بالشجاعة والحيرة باليقين والضعف بالقوة.  بدأوا فوراً في إعلان قيامة المسيح في كل مكان قدام الصغير والكبير ومن أجلها تحملوا الاضطهاد والموت (أعمال 23: 6).  لماذا قبلت أعداد مهولة من المسيحيين التعذيب من أجل خبر مصطنع أو غير مؤكد؟  هذا لأن الذين لم يروا بأنفسهم صدقوا مصداقية الشهود الكثيرين وأيضاً اختبروا هم شخصياً قوة المسيح المقام.  لذلك انتشرت رسالة الإنجيل دون اللجوء للعنف أو باستخدام أي نوع من الإغراء.

كل هذا جعل الرسول بولس يعلن بكل مجاهرة في أثينا عاصمة الفلسفة والثقافة:

"فَاللهُ الآنَ يَدْعُو جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ تَائِبِينَ، وَقَدْ غَضَّ النَّظَرَ عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ الَّتِي مَرَّتْ، لأَنَّهُ حَدَّدَ يَوْماً يَدِينُ فِيهِ الْعَالَمَ بِالْعَدْلِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ اخْتَارَهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمَ لِلْجَمِيعِ بُرْهَاناً، إِذْ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات." (أعمال 17: 30-31 من ترجمة كتاب الحياة الذي أوضح معنى تصريح الرسول خاصة كلمة "برهانا" وهكذا كل الترجمات الأجنبية والأصل).

القيامة برهان على أن الإنجيل صحيح وعلى أن المسيح سيدين العالم في المستقبل!  لو كان لدى بولس شك في القيامة ما كان يجاهر بهذه الحقيقة.  القيامة تثبت كل ما قاله الإنجيل.


عزيزي الله لم يطلب منا أن نصدق شيء صعب أو غير منطقي. لقد تنازل الله وقدم لنا برهاناً كافياً ولا يوجد أقوى منه أو أفضل منه.  فعليك وعلى إذا أن نتوب عن كبريائنا ونقبل يسوع المسيح المصلوب من أجلنا والمقام بقوة الله.  إن لم نفعل هذا فنحن نرفض برهان الله وهكذا نكذبه!  هل لديك اثبات أن القيامة ليست حقيقية بعد ما غيرت حياة الملايين في كل جيل؟  الله قدم اثباته ليطمئن قلبك فهل تقبل؟ هل لديك ما يكذب الخبر؟ إذا لماذا لا تؤمن وتتبع المخلص الحي وتعمل عمله؟  

Saturday, November 7, 2015

هل مصر لها وعد خاص في إشعياء 19؟

حول تفسير إشعياء 19

كمصريين نحن نحب إشعياء 19 ونفتخر أن الرب يسمي مصر "شعبي" في عدد 25.   إلا أن تفسير هذا الجزء من إشعياء يقودنا في اتجاه مختلف.  لا يرى المفسرون هنا ميزة روحية تخص مصر وحدها لكن نبوة عنما يحدث عالمياُ في عصر المسيح.
الخلفية التاريخية هي أن مصر وأشور كانا يمثلا أعداء شعب الله في العهد القديم.   استعبد شعب الله في مصر من أيام يوسف لموسى 430 سنة.  ثم بعد ذلك صارت أشور (والمقصود غالبا بابل أيضاً) مهددة لشعب الله.

في وقت النبي إشعياء بالتحديد كانت أشور دولة عظمى وبدأت في استعمار الدول المجاورة ليهوذا.  سقطت إسرائيل المملكة الشمالية سنة 722 ق م وهدد الأشوريون يهوذا وعاصمتها أورشليم لولا تدخل الرب (إشعياء 36-37).  إلا أن البعض في يهوذا حاول الاستعانة بمصر ضد التهديد الأشوري (إشعياء 31: 1):

ويْلٌ لِلَّذِينَ يَنْزِلُونَ إِلَى مِصْرَ لِلْمَعُونَةِ، وَيَسْتَنِدُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الْمَرْكَبَاتِ لأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، وَعَلَى الْفُرْسَانِ لأَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ جِدًّا، وَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَطْلُبُونَ الرَّبَّ.

اذاً هذا هو السياق التاريخي الذي ينبغي أن يراعى عند تفسير إشعياء 19 ومنه نرى عظمة النبوة الموجودة في الأعداد 23-25:

فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ، فَيَجِيءُ الأَشُّورِيُّونَ إِلَى مِصْرَ وَالْمِصْرِيُّونَ إِلَى أَشُّورَ، وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُّورِيِّينَ.  فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثُلُثًا لِمِصْرَ وَلأَشُّورَ، بَرَكَةً فِي الأَرْضِ، بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ».

يعلن الله على فم إشعياء حقيقة غير متوقعة اطلاقاً: أن العدو الحالي (أشور) والعدو السابق (مصر) سيتحدون معك يا شعبي في عبادتي!! إنها نبوة عن التحول الذي سيحدث عند مجيء المسيا المنتظر أي أنه سيغير حال الأمم المعادية ويجعلهم من ضمن شعبه!  مصر تكون شعبه، أشور عمل يديه وإسرائيل ميراثه.  المصطلحات الثلاثة مترادفة: شعبي، عمل يدي، ميراثي والمعنى واضح: "ستنتهي الخصومات وستتوحد الأمم في عبادة الله."  اجمع المفسرون أن مصر وأشور يمثلا الأمم الذين سيدخلها الله إلى عهده مع إبراهيم كما قال الرسول بولس في العهد الجديد (غلاطية 3: 13-14):

المسيح افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خشبة لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ.

بسبب عمل المسيح كل الذين يؤمنون به صاروا واحد دون تمييز بين اليهود والأمم أو بين الأمم وبعضها (غلاطية 3: 26-29):
أَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ.

في ضوء التفسير الصحيح لإشعياء 19 وتفسير العهد الجديد للنبوات لا يعقل أن الله له الآن عرقية مفضلة.  شعبه مكون من المؤمنين من كل الأمم على حد سواء: مصر، إسرائيل، أشور، كينيا، الصين، البرازيل، الخ....

واضح أن كلمات إشعياء 19 مجازية بدليل أن "السكة" المذكورة في عدد 23 لم تبنى بعد فهي تعبر عن معنى روحي (الوحدة والتواصل).  لو أصيرنا أنها حرفية إذا فهي ستحدث في المستقبل وفي هذه الحالة تكون مصر شعب الله في المستقبل وليس الآن وهكذا تعود أشور وإسرائيل للرب أيضاً والثلاثة يكونون أمة واحدة.  لا أفضل هذا التفسير ولا يفضله المفسرون...فماذا عن باقي الأمم؟!  لماذا يميز الله هذه الدول الثلاثة بالذات؟

هل يعني هذا أننا كمصريين لا نستفاد من كلمات إشعياء 19؟  بالطبع نستفاد: كل مصري يؤمن بالمسيح ينطبق عليه وعود الإصحاح في المسيح. لكننا لا نجد فيه وعد قومي وهذا التفسير وهمي ويقود لاستنتاجات كثيرة خاطئة.   إشعياء 19 تعد بتصالح كل الأمم مع الله ومع شعبه القديم (انظر أيضاً كلام بولس في رومية 11).
بعض المراجع المستخدمة:
J. A. Alexander, The Prophecies of Isaiah, Zondervan Publishing House, 1981
J. Alex Motyer, The Prophecy of Isaiah, Intervarsity Press, 1993

Geneva Study Bible, Thomas Nelson Publishers, 1995

Wednesday, November 4, 2015

هل بدأ المسيح ملكه؟

نعم، المسيح يملك من صهيون السماوية منذ صعوده إلى يمين الله الآب!

هذا واضح كل الوضوح من مزمور 110: 1-2 وتفسير العهد الجديد لكلماته.

قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك
يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك

أوضح الرسول بطرس يوم الخمسين أن جلوس المسيح عن يمين الآب تم فعلياً عند صعوده للسماء:
وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه لأن داود لم يصعد إلى السماوات. وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك (أعمال 2: 33-35).

الجلوس هنا يشير إلى المُلك وهذا واضح من مزمور 110: 2 "تسلط".  واضح أيضاً إن هذا المُلك لا يعني إن إخضاع الأعداء قد تم بشكل نهائي بل هو تمهيد لإخضاع الأعداء.  "تسلط في وسط أعدائك".  الأعداء موجودون حتى الآن لكن الملك يسوع جالس على كرسيه حتى يخضعهم الآب تحت رجليه.

أحبائي نتعلم من هذا إن مخلصنا منتصر ومالك الآن وبسبب ذلك انتشر الإنجيل منذ ذلك الزمن لكل مكان في العالم.  هذا الكلام لا يحتاج لملك ألفي لكي يتحقق إذ أنه متسلط الآن....

وأيضاً يعمل بقوة الآن... "يرسل الرب قضيب عزك من صهيون". هذا الكلام لا ينطبق على المستقبل بل على الحاضر لأن الملك يسوع المسيح يملك الآن من صهيون السماوية ومن هناك يخرج قضيب عزه.  أي أن قوته تمتد في كل مكان من عاصمته أورشليم السماوية.  فسر الرسول بطرس هذا في نفس العظة المشار إليه سابقا (أول عظة بعد الصعود): "وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه" (أعمال 2: 33).

يسوع الملك ينفذ خطته عن طريق الروح القدس في كل مكان.  من خلال الروح يخضع أعداءه فيأتون إليه كما حدث يوم الخمسين.  أحيانا عمله واضح بطريقة علنية لكن في أغلب الأوقات العمل مستتر. 

العهد الجديد يؤكد هذه المعاني عندما يتحدث عن أورشليم السماوية ليس فقط في المستقبل لكن الآن أيضاً:

لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة، فإنها مستعبدة مع بنيها وأما أورشليم العليا، التي هي أمنا جميعا، فهي حرة (غلاطية 4: 25-26).

في الأصل اليوناني الرسول بولس يستخدم فعل الكينونة المضارع مرتين في عدد 26 أي أن أورشليم العليا حرة الآن ونحن أولادها ومواطنيها الآن.  يضع بولس عاصمة الملك السماوية في مقابلة مع أورشليم الأرضية المستعبدة فيقول لنا "لا تنظر للمدينة الأرضية بل إلى تلك التي لها أساسات التي صانعها وبارئها هو الله".
ما يؤكد هذه المعاني أيضاً كلمة المسيح الملك لكنيسته فيلادلفيا: 

واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا: هذا يقوله القدوس الحق، الذي له مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح (رؤيا 3: 7).

الملك الذي يحكم أورشليم لابد أن يكون من نسل داود الذي وعده الرب أن نسله يجلس على كرسيه للأبد (مزمور 89: 29، 35).  بالفعل وُلد يسوع من عائلة داود وبالفعل تسلم "مفتاح" السلطة والمُلك عندما قام من الأموات وصعد إلى أورشليم السماوية:

فتقدم يسوع وكلمهم قائلا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين (متى 28: 18-20)

فاستلم الرب يسوع سلطته الملكية كابن داود عندما قام وصعد ولذلك أمرنا أن نتلمذ الأمم واثقين من النجاح ومن معيته لنا إلى انقضاء الدهر الحالي.  إنه يمد لنا "قضيب عزته" ونحن عاملون معه في حقله.  أيضاً له سلطة حتى على الأعداء الذين لا يؤمنون فيعد الكنيسة في فيلادلفيا أنه يفتح لهم باباً لا يستطيع أحد أن يغلقه وأنه سيجعل أعداءهم يسجدون أمامهم (رؤيا 3: 8-9).  ثق أن ملكك ليس بضعيف!  إنه يملك وسط أعدائه.
من الملفت أنه في نهاية رسالته إلى فيلادلفيا يذكر مدينته أورشليم السماوية التي يملك منها (رؤيا 3: 12).
وعود العهد القديم عن ملك المسيا بدأ تنفيذها فعلياً لحظة القيامة ولو بطريقة لم يتوقعها اليهود.  لا تخف أيها المؤمن مسيحك يملك من المدينة السماوية ويرسل لك القوة لكي تخبر به وتشترك مع إخوتك في تلمذة الأمم له.  إنه يبني الكنيسة الحقيقية بطريقته وعندما ينتهي من ذلك سيأتي بقوة ليبيد ما تبقى من مقاومة وعندئذ يُستعلن ملكه ويظهر مجده أمام الجميع.  عندئذ أيضاً تظهر المدينة السماوية بكل مجدها.  أمين تعالي يا رب يسوع.


Tuesday, November 3, 2015

معلمين كذبة اليوم؟

جوهر الإيمان المسيحي واضح وثابت ومتفق عليه منذ البداية. إلا أننا نسمع الآن في

 مصر من يدعون أنهم قساوسة وخدام ينكرون هذا الجوهر. أحبائي الكتاب المقدس

 واضح وقد أنار الروح القدس المؤمنين على مر العصور لفهمه الصحيح. ما هي

 الأساسيات في العقيدة المسيحية؟


أن الله الواحد هو الآب والابن والروح القدس. الآب خلق السماء والأرض بابنه يسوع المسيح
صار الابن إنساناً من خلال ميلاده من العذراء مريم
تألم المسيح في عصر بيلاطس البنطي ومات فعلياً وقبر
ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب
سيأتي المسيح من السماء ليدين الأحياء والأموات
الروح القدس مساو للآب والابن وهو الذي أوحى الكتاب المقدس
بقوته يبنى المسيح الكنيسة الواحدة الجامعة مانحاً غفران الخطايا لمن يؤمن
أن في اليوم الأخير سيقام الموتى ويرث المؤمنون الحياة الأبدية
أحبائي الخدام: لو أنت لا تؤمن بهذه الأساسيات عليك أن تمتنع عن الخدمة والكلام عن

 الإيمان حتى تقتنع به من جديد. ارجع للكتاب المقدس واتضع قدامه وأطلب استنارة

 الروح القدس. تأكد أن الروح لن يقودك لإيمان غير الذي قاد إليه ملايين من

 القديسين قبلك. هناك مساحة للإختلاف في الفرعيات لكن لا في الجوهر الواضح


 وضوح الشمس.

أكتب هذه الكلمات لأني بكل حزن سمعت في وقت قصير عن "قسيس" لا يؤمن

 بالثالوث كما عرفناه منذ البداية ويقول إن الآب هو الابن وهو الروح أي أنهم مجرد القاب. 


سمعت أيضاً عن معلم لاهوت رفض أن يقول إن المسيح قام من الأموات. أحبائي ليس

 لك أو لي الحرية أن نخترع مفاهيم جديدة عن الله ونقول إننا خدام مسيحيين. إما أن

 نحب الإيمان المسلم مرة للمؤمنين إما أن نتنحى عن الخدمة ومسمى "المسيحية".

 البديل هو المزيد من الضعف والدينون




Sunday, April 26, 2015

ماذا كلفنا المسيح به؟

ماذا كلفنا به السيد المسيح قبل عودته إلى الآب؟  هل كلفنا أن نؤمن به وننتظره فقط؟  أم أنه أوصانا بعمل ما؟  ما طبيعة هذا العمل؟  هل طلب منا نشر "شريعته" بالقوة؟  هل ترك لنا تعليمات واضحة؟  في الواقع سجل الإنجيل وصايا المسيح لتلاميذه أثناء الأربعين يوم التي أمضاها معهم بين القيامة والصعود إلى السماء.  لم يترك السيد الأمر غير واضح بل شرحه بأكثر من طريقة كما نرى في العهد الجديد.  دعونا ندرس تكليفه لنا بدقة والذي يُسمى "المأمورية العظمى" ففي هذا التكليف نرى هدف وجودنا الأساسي على الأرض وهدف عمل الله حتى النهاية. علينا نتذكر أن هذه هي كلماته الأخيرة وكما نعلم فتوصيات الوداع هي دائماً الأهم.

فلنبدأ بأقصر صيغة للمأمورية والتي نجدها في يوحنا 20: 21: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا".  جاء هذا التكليف في أول ظهور للمسيح لرسله المجتمعين في مساء يوم القيامة ومباشرة بعد تحية السلام وعرض يديه وجنبه لهم ليتأكدوا من هويته.  من هنا نرى ما كان على قلبه حينما قام من الأموات وكأنه يقول: "ها أنت قد صُلبت وقمت من أجل تحقيق خلاصكم وخلاص العالم. كان هذا هدف الآب حينما أرسلني والآن أنا أرسلكم لتكملة المهمة ونشر خبر ما فعلت.  أنتم مرسلين كما أنا!  أنتم امتداد لما بدأته!" ولأنه علم أن التكليف كبير نفخ عليهم وقال "اقبلوا الروح القدس" الذي بدونه لن يستطيعوا أن يقوموا بالعمل (يوحنا 20: 22).  فهموا معنى كلامه يوم حلول الروح القدس بعد خمسين يوم.  أما كلامه عن مغفرة خطايا الناس أو امساكها (يوحنا 20: 23) فهو يفهم في ضوء الصيغ الأخرى للمأمورية والمعنى أنه يعطيهم وكل شعبه سلطة نشر بشارة الغفران. 

نجد في كلامه في لوقا 24: 44-49 وفي أعمال 1: 4-8 (التي كتبها لوقا أيضاً) الآتي:

·        ربط إرساليته وارساليتنا بما جاء في العهد القديم (44-46) فما يكلفنا به جزء من هدف الله الكبير في التاريخ
·        وصف إرساليتنا على أنها "كرازة باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم" (ع 47) تؤكد مفهومنا ليوحنا 20: 23.
o       كلمة "كرازة" تعني "إعلان هام عن حدث معين" وقد تحمل فكرة الإعلان الملكي ("باسمه")
o       هنا تصريح واضح أن الكرازة يجب أن تتم بين جميع الأمم مبتدأ من أورشليم والتي ستشمل اليهودية والسامرة وأقاصي الأرض!
·        "أنتم شهود" (ع 48 وأع 1: 8) —على نهاية القرن الأول وبداية الثاني اكتسبت كلمة شاهد ("مارتوس") في المسيحية معنى "شهيد" أي أن الشاهد قد يصير شهيد ولديه الاستعداد أن يختم شهادته بدمه!
·        نجد وعد الروح القدس (شبيه بما ورد في يوحنا) الذي يسميه "موعد أبي" ويربطه بالقوة التي سينالونها بعد أيام قليلة في أورشليم (لوقا 24: 48-49, أعمال 1: 4-8).
·        إذا نجد لوقا يتحدث عن مراحل هامة في الإرسالية العظمى: مرحلة النبوة في العهد القديم ثم مرحلة آلام المسيح وقيامته ثم نوال القوة في الروح القدس ثم الكرازة العالمية التي يكلفنا بها.
أما في متى 28: 18-20 نجد الآتي:

·        مقدمة هامة للغاية في ع 18 "دُفع إلىَ كل سلطان في السماء وعلى الأرض".  والفعل "دُفع" فعل ماضي مبني للمجهول أي أنه يشير لحدث قد تم بواسطة فاعل آخر!   بناءً على شواهد مثل فيلبي 2: 9 يتضح أن هذا الفاعل هو الآب ومنح السلطة قد تم نتيجة إطاعة المسيح للآب حتى الموت.  السلطة هنا بالطبع لا تشير لسلطانه كابن الله الأزلي لكنها تشير لتمجيده كابن الإنسان، آدم الأخير المولود من نسل إبراهيم ونسل داود.  أي أن المسيح اكتسب سلطة ملكية كإنسان بسبب اطاعته وموته وهذا ما تؤكده شواهد كثيرة مثل دانيال 7: 13-14 ورؤية 5: 5.  هذه السلطة تؤكد انتصاره على الشيطان والخطية والموت والذي تكلمنا عنه في مقالات أخرى.
·        ما هي علاقة سلطة المسيح بالإرسالية؟  لها علاقة محورية وشاملة (لاحظ الفاء السببية في عدد 19 "فاذهبوا")
o       سلطة المسيح تُعلن في الرسالة نفسها كما نراها في أعمال 2 وكل كرازة الرسل في سفر الأعمال (أع 2: 24-36، 3: 15، 21، 26، 5: 30-32، 7: 56، 10: 40-43، 13: 32-39، 17: 31) أي أننا نعلن للناس أن المسيح أنتصر وقد ارتفع رباً على كل الخليقة.  هذا الإعلان هو من صميم الأخبار السارة كما نرى في الشواهد أعلاه من سفر الأعمال وفي رومية 10: 9 أي أن الله انتصر على الشر والشرير من خلال ابنه البار ولذلك يعلن الحرية والغفران لكل من يؤمن!
o       سلطة المسيح تعطيه حق أن يُرسل وأن يُطاع
o       سلطة المسيح تعطينا يقين أن الإرسالية ستنجح رغم كل التحديات والنكسات
o       قال ف. ف. بروس وكثير من المفسرين والعلماء أن سلطة يسوع المسيح الممجد هي محور العهد الجديد!!
·         الأمر المباشر الوحيد في متى 28: 18-20 هو "تلمذوا" وهو وصف شامل لمأموريتنا ويُفسر في ضوء ما قاله المسيح سابقاً عن التلمذة.   فالتلمذة ليست سلسلة دروس تُقدم للمؤمن الجديد (هذا هو المفهوم المعاصر للكلمة لكنه ليس معنى الكلمة في العهد الجديد).  نجد التلمذة الحقيقية في كلام المسيح في متى 11: 28-30 حيث يقول إنها تبدأ بالقدوم لشخصه وحمل نيره لإيجاد الراحة الحقيقية. يجب أن نربط متى 11 بمتى 28 لأن كلمة "تعلموا" في متى 11: 29 تأتي من نفس الكلمة اليونانية التي تأتي منها "تلمذوا" في متى 28: 19 وتعني "تتلمذوا" لي.  فعلينا أن نتتلمذ له وهكذا نتلمذ الآخرين. في أجزاء أخرى من تعاليمه أوضح المسيح أن تابعيته أي التلمذة له مكلفة للغاية لأنها تتطلب إنكار الذات (متى 16: 24-26).  من هنا نرى أن التلمذة تبدأ بالتوحل للمسيح وتنمو في تابعيته والخضوع له ولتعاليمه.  أي أن التلمذة الحقيقية ليست مرحلة من العمل لكنها وصف للعمل كله.
·        في متى 28: 19-20 يشرح الرب يسوع عمل التلمذة باسمين فاعل:
o       "عمدوهم..." أو بحسب الصيغة اليونانية "معمدين إياهم" أي أن عملنا يبدأ بالكرازة والمعمودية باسم الآب والابن والروح القدس.  المعمودية تفيد عدة أمور منها الانتماء.
o       "علموهم" أو بحسب اليوناني "معلمين إياهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به" بما في ذلك التعاليم عن حمل النير والصليب وعن المحبة والتواضع والمأمورية العظمى نفسها!
o       فالمعمودية والتعليم العملي أجزاء من التلمذة أي أبعاد في التبعية الحقيقية
o       إذا لا نرى هنا 3 مراحل: تلمذة – معمودية – تعليم!! بل أن التلمذة تشمل الكرازة والمعمودية والتعليم.
o       إذا فالمأمورية لا تكتمل إلا إذا كرزنا وعمدنا وعلمنا المؤمنين أن يحفظوا كل ما أوصى به السيد ذاكرين أننا نحن أيضاً نتتلمذ في نفس الوقت!  فالكل يساعد على تلمذة الجميع! لذلك نرى أن مأمورية المسيح عمل متكامل لا يقوم به شخص واحد بل إنه يخلق الكنيسة ويسخرها للاستمرارية في العمل.  نلاحظ في سفر الأعمال أن الرسل فهموا المأمورية بهذه الطريقة فبشروا الناس وكانت النتيجة زرع الكنيسة التي في حضنها تمت المعمودية وتم التعليم والنمو ومنها انطلقت البشارة لأماكن أخرى لتمتد عملية التلمذة إلى أن يجئ المسيح.  لم يفصلوا أبدا الكرازة عن زرع الكنائس.
·        يختم المسيح "المأمورية العظمى" في متى 28: 20 بوعد معيته إلى انقضاء الدهر.  المسيح مع كنيسته المرسلة ليضمن نجاحها.  واضح من هذه الصيغة أن المأمورية العظمى سارية المفعول إلى نهاية التاريخ!
فهل نحن منشغلون بتكليف المسيح لنا؟  علينا أن نطلب نعمة حتى نطيعه ونعمل عمله من دافع المحبة والخضوع.  أيضا علينا أن نعمل معاً لكي نقوم بعمل كامل وليس بعمل مبطور فالكثيرون اليوم يكرزون لكنهم لا يتممون مطلب المأمورية العظمى.  صلي حتى تجد نفسك في كنيسة مرسلة تريد أن تطيع المسيح ولا تنشغل كثيراً بالمواصفات البشرية للكنيسة طالما فيها مواصفات الرب (انظر المقال عن الكنيسة).

نحن نعيش في عالم مضطرب وهناك أصوات عالية تضل الناس أكثر وتبعدهم عن الحق. هناك آلاف من المجموعات العرقية التي لم يذهب لها أحد إلى الآن وملايين من الناس لم تسمع.  أين صوت أخبار الله المفرحة؟  كيف نقول أننا مؤمنين به ولا نهتم بالذين لم يسمعوا عنه؟ علينا أن نعيش البشارة ونتكاتف لنشرها في كل مكان بحسب منهجية المسيح مخلص العالم الذي له كل المجد أمين.