Tuesday, April 21, 2015

عظة عن الخدمة والامتلاء من الروح القدس



خدمة الرب يسوع المسيح صعبة لعدة أسباب.  أولاً هي صعبة لأننا نحارب ضد الظلام نفسه وضد رئيسه بهدف تحرير الناس منه فمن الطبيعي أننا سنقاوم بطرق عديدة لأن الشيطان لن يترك أسراه بسهولة. ثانياً العمل صعب لأنه روحي ويتطلب منا مهارة بالإضافة لأسلوب روحي معين يرضي الله.  فليس أي كرازة مقبولة ولا أي وعظ ولا أي مساعدة للفقراء.  هذا لأن الرب يقيمنا على العمل وأيضاً على الدوافع والأسلوب!  في رسالة فيلبي نقرأ عن بعض الخدام الذين بشروا بدوافع غير سليمة (في 1: 15-18). فهم قاموا بالعمل الصحيح لكن بطريقة غير صحيحة.

ولذلك يكتب الرسول بولس للكنيسة في فيلبي عن الدوافع والأساليب الحقيقية في خدمة المسيح فيقول:

·        أنها يجب أن تنبع من محبة حقيقية بلا أغراض أخرى—لا نخدم بحثاً عن شهرة أو مكسب أو سلطة ولا لأغراض متعلقة بتقدم طائفتنا أو مجموعتنا بل نخدم سعياً لمجد المسيح وخلاص الناس

o       هذه المحبة هي محبة يسوع المسيح فينا: "اشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح" (في 1: 8).  يحبهم بولس بمحبة المسيح نفسه ويتكلم كإنسان متحد المسيح.  "أحبكم بقلبه هو!"  كل الرسالة تبرهن على أن محبته حقيقية وليست مجرد كلام.

o       هذه المحبة متواضعة: "ليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع" (في 2: 5).  المحبة لا تبحث عما لها بل تطلب مصلحة الآخر.  يقدم لهم نموذج تيموثاوس في 2: 19-21 كخادم متواضع ومحب كل هدفه يسوع المسيح وما يمجده. 

·        الخدمة تتطلب منا أن نصلي دائما من أجل أن الآخرين يزدادون في معرفة المسيح ومحبته (في 1: 9) فهي ليست فقط الظهور قدام الناس بل أكثر من ذلك المثول أمام الله.   لا تنجح الخدمة دون الصلاة لأنها تعبر عن اعتمادنا على الله واحتياجنا الشديد له.

·        قلب الخدمة هو إعلان إنجيل يسوع المسيح ودفع قضيته إلى الأمام بكل الطرق الصحيحة.  ليست الخدمة استعراض لآرائنا بل لكلمة المسيح.  من السهل جداً أن نستغل الخدمة للتكلم عن قضايانا المفضلة إن كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى لاهوتية.  لكن القضية هي إنجيل الله.  يقول بولس:


o       "أموري قد آلت أكثر لتقدم الإنجيل" حتى في السجن (1: 12) فهذا شغله الشاغل
o       "أكثر الاخوي يجترئون أكثر على التكلم بلا خوف" (1: 14) —علينا أن نعلن الإنجيل بالكلام
o       وأيضاً من خلال حياتنا الشاهدة قبل كل شيء: "فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح" (في 1: 27)
o       من خلال مشاركة خدام الرب مادياً (في 1: 5) فمن أهداف الرسالة شكر الكنيسة على مساهمتهم في خدمة بولس بتبرعاتهم (في 4: 10-19).

لكن كل هذه الأمور تحتاج إلى طاقة روحية لتتم!  نحتاج إلى قوة من غيرها:
لن نحب
لن نتواضع
لن نصلي
لن نعلن الإنجيل
لن نعيش حياة الإنجيل

من أين تأتي هذه القوة؟  تأتي من المسيح: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (في 4: 13).  "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا" (يو 15: 5).

كيف يقوينا المسيح وهو في السماء الآن؟

يقوينا بالروح القدس الذي سكبه على تلاميذه بعد الصعود ب 10 أيام.
-كان قد وعدهم بهذا بعد القيامة—أعمال 1: 8
-وأوفي بالوعد بعد ذهابه للآب-أعمال 2: 33

ما هو تأثير حلول الروح والامتلاء به على التلاميذ؟
·        تكلموا بكلام الله بشجاعة—أعمال 4: 5-12—تغيير كبير بعد الخوف الذي عاشوه قبل ذلك!!
·        كل المؤمنين عاشوا قوة جديدة أدت إلى المحبة لبعض-أعمال 4: 31-35
·        الروح أعطاهم سلام وتعزية وتكاثر وبنيان لجسد المسيح-أعمال 9: 31
·        الروح أرشدهم في الخدمة فلم يخدموا حسب استحسانهم
o       دعا خدام للخدمة-أعمال 13: 2-4--كلم الكنيسة كلها لفرز اثنين من خدامها
o       قاد خطواتهم-أعمال 16: 6--فتح أبواب واغلق أبواب أخرى!
·        يعني تأثير الروح القدس لم يكن بالصوت العالي أو السقوط إلى الأرض لكنه دفع عمل المسيح إلى الأمام: الكرازة وبنيان الكنيسة
ماذا عن خدمتنا؟
·        اختبرنا قوة الروح القدس والا ما كنا وصلنا إلى هذه اللحظة: أعطانا بعض المحبة وبعض القوة وبعض الثمر
·        لكن مازال نحتاج إلى مزيد من قوته
o       لسنا مرتبطين كما ينبغي
o       لا نتكلم كلمة الله كما ينبغي
·        علينا أن نمتلئ به أكثر—أفسس 5: 18: الامتلاء أمر إلهي!! 
·        كيف نمتلئ بالروح القدس؟
o       علينا أن نصلي أكثر ونطلب قوة من الله-أعمال 4: 31
o       الروح حل على التلاميذ لما كانوا مجتمعين ومنتظرين وعد المسيح
o       وتكلم لما قادة الكنيسة في انطاكية كانوا "يخدمون (يعبدون) الرب ويصومون" معاً أعمال 13: 2­­
o       يعني الروح يملاً المهيئين روحياً— الأمر في كولوسي 3: 16 "لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى" موازي لأفسس 5: 18 "امتلأوا بالروح" (قارن السياق في الرسالتين).  فكلما خضعنا لفكر المسيح وطلبنا قوته للخدمة كلما سنمتلأ من روحه أكثر.
o       ليس بالضرورة أن نتكلم بألسنة (لغات لا نعلمها) ولا يوجد في الكنيسة الأولى من سقطوا على الأرض لأنهم امتلأوا من الروح!
o       ليس الامتلاء وسيلة لتخريجنا عن همومنا أثناء الاجتماع أو فرصة لاستعراض مواهبنا لكن هي تمكين روحي لفعل مشيئة الرب
·        لا نريد أن نضيع وقت الله أو وقتنا!!
·        فالخدمة معركة روحية صعبة ولم يتركنا الرب أن نقوم بها بدون قوته

(لم يكن هدف العظة تقديم موضوع الروح القدس ككل فلم أتكلم فيها مثلاً عن معمودية الروح القدس التي يميزها العهد الجديد عن الامتلاء.  فالمعمودية تحدث مرة واحدة لكل المؤمنين وتضمنا لجسد المسيح بقوة الروح القدس.  أما الامتلاء فهو بركة مكررة أو متزايدة تعطينا القدرة على العبادة والخدمة).









ما هو ملكوت الله؟




-ملكوت الله تعبير وارد حوالي 160 مرة في العهد الجديد منهم 51 في متى أي 32% في حين أن متى يمثل أقل من 13% من مساحة العهد الجديد أي أنه مصطلح يستخدمه الوحي على لسان متى بكثافة.  يستخدم أيضاً بكثافة في مرقس ولوقا.

-ملكوت الله، ملكوت السماوات، ملكوت ابن الإنسان كلها مرادفات لو قارنا استخداماتهم في القرائن المختلفة

-التعبير لا يشير لملك الله الأزلي الأبدي بل لبعد تاريخي معين منه.  فملك الله على الكون كله ثابت لكن "ملكوت الله" هو ملكه 

الظاهر في المسيح والمعترف بيه.

ظهر هذا المُلك أولاً في آدم عندما أعطاه الله سلطان على الأرض (تكوين 1: 28) وكان آدم مثال أو ظل للمسيح (رومية 5: 14).  فكان من المفترض أن آدم وأولاده يخضعون لله بكل حب وبالتالي تخضع الأرض لهم للخير والعمار.  لكن للأسف لم يخضع آدم لله والأرض لعنت من أجله (تكوين 3: 17) فحدث خللاً كبيراً في ملكوت الله.

لنستوعب هذا الخلل علينا أن نفكر جيداً فيما حدث وفيما لم يحدث عند تمرد إبليس وسقوط الإنسان.  في الحقيقة لم يهتز ملك الله على الكون ولا لطرفة عين إلا أن الكارثة الحقيقية كانت أن بعض من عباده أساء استخدام الحرية ورفض الخضوع لمُلك الله الحنون.  كانت نتائج التمرد قاسية على من قاموا بها (عقاب وموت) وأيضاً على سمعة الله نفسه.  "إن كنت ملكاً عادلاً ورؤوفاً فلماذا رفضك البشر؟"  

لذلك من أجل محبته ومن أجل اسمه أيضاً يريد الله استرداد ملكه الظاهر والمعترف به.  أجزاء كثيرة من الكتاب المقدس تعلمنا أن دافع إرسالية الله لم يكن فقط محبته لنا بل مجده أيضاً (مثل حزقيال 36: 20-24، مزمور 23: 3، أفسس 1: 6، 12، 14 وشواهد أخرى كثيرة).  فلابد أن يسترد الله البشر حتى يتحرروا من عبودية إبليس ويتمجد هو في انقاذهم وفي ولائهم الجديد له.

علماً بأن للشيطان "ملكوتاً" مضاداً بدأ عندما رفض الخضوع لمُلك الله وأثر على بعض الملائكة وأيضاً البشر لينضموا إليه.  الكتاب يتكلم عن ملكه في عدة مواقع منها متى 12: 25-26.  الشيطان لا يستطيع منافسة الله في ملكه الأزلي لكنه يتنافس معه في المُلك الظاهر (أي في ولاء الناس) ولذلك يبذل قصارى جهده لمنع الناس من الخضوع لمُلك (أو ملكوت) الله.  إذا نجد (كما تكلمنا من قبل) أن هدف إرسالية الله هو أن يأتي بإنسان بار، يسوع المسيح، لهزم الشيطان بولائه الكامل لله (تكوين 3: 15).  أو بكلمات أخرى جاء المسيح ليسترد مُلك الله على البشر الذي ظهر أولاً في سيادة آدم (لاحظ أن مزمور 8 يشير لآدم أولاً ثم للمسيح).  مهد الله لهذا المُلك في العهد القديم فكانت مملكة داود صورة أو ظل لها.  نجد في 2 أخبار 9: 8 أن مملكة داود وسليمان كانت مملكة الله.

علم الشيطان ببعض المعلومات عن هذا المخطط فحاول جهدا تعطيله قبل الميلاد وعندما ولد المسيح فعلياً حاول القضاء عليه سريعاً (متى 2).  عندما فشل في بيت لحم حاول أن يهزمه مرة أخرى في البرية (متى 4) فكانت نصرة المسيح عليه بالطاعة والولاء هامة للغاية وضرورية لاستعادة ملكوت الله وتدمير المُلك المضاد. أي أن المسيح بالطاعة استرد مُلك آدم الذي ضاع بالعصيان.   لو كان الله استخدم القوة الجبرية في تدمير الشيطان واسترداد الملكوت لكانت النتائج على النحو التالي:

·         "أنت لم تجد أحد يتبعك فدمرت المنافسة بالقوة!"
·         وإن كان فعل هذا لكان اغلق الباب على استرداد (خلاص) البشر لأنهم كانوا يدمرون هم أيضاً مع الشيطان
لكن بر يسوع المسيح صار السلاح الذي من خلاله هزم الشيطان شرعياً واسترد الملكوت وبنفس البر نجد الخلاص (متى 3: 15).  فور انتصاره في البرية على الشيطان بدأ المسيح يكرز ويقول: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (متى 4: 17).  يمكننا أن نفسر هذا القول بالآتي: "قد بدأ الله فعلياً في هزم الشيطان والخطية وهكذا من خلالي يعيد ملكوته المنهوب ويريد أن يستردكم إليه.... فارجعوا إليه!".  فكان المسيح يعلن "بشارة الملكوت" (متى 4: 23) أي الأخبار السارة أن الله يريد خلاص شعبه وهزيمة أعداءه المتمثلين في الشر والشرير والأشرار كل في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.   وكانت معجزات الشفاء علامة أن الملكوت (التحرير) قد بدأ فعلياً (متى 4: 23-25 لاحظ تتطور وترابط الأحداث في متى 4). وكانت معجزات طرد الشياطين علامة أخرى قوية أن الشيطان مهزوم وأن الملكوت قد حل: "إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله!" (متى 12: 28).

ملك الملكوت هي يسوع نفسه ولذلك نُسب الملكوت له تحت تعبير "ملكوت ابن الإنسان" (متى 12: 41 وعدة شواهد أخرى). كان لابد أن يُمسح كما مُسح داود والملوك الآخرين الذين كانوا ظلال له.   تمت مسحته من الآب عن طريق الروح القدس أثناء تعميده (متى 3: 16-17، أعمال 10: 37-38).  لكن كما كان الحال مع داود أبيه لم يجلس المسيح مباشرة على كرسيه بل عانى على يد قادة إسرائيل مثلما عانى داود من شاول لمدة سنين. 

متى جلس يسوع على كرسيه؟  جلس على كرسيه بعد تتميم مشيئة الآب وموته من أجلنا وقيامته فلما صعد قال له الآب: "اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك" (مزمور 110: 1، متى 22: 44، أعمال 2: 34، الخ).  أشار يسوع لهذا في مقدمة المأمورية العظمى ("دُفع إلى كل سلطان في السماء وعلى الأرض" متى 28: 18) وبهذا يعلمنا أن أساس خدمتنا وضمان نجاحها هو سلطانه الملوكي الذي اكتسبه ببره واطاعته ورسالتنا هي رسالة ملكوته (ملكه، مجده) هو.

أثناء ملكه الحالي من السماء هو يدير انتشار الإنجيل عالمياً ويبني كنيسته.   الأجزاء الآتية في متى تؤكد أن بعد جلوسه على الكرسي هو يعمل لامتداد الملكوت الآن مثلما فعل داود بعد الجلوس على العرش في حبرون (2 صم 2: 4) —أي أنه توجد مقاومة حتى بعد الجلوس على العرش لابد من اخمادها قبل اكتمال المُلك (متى 22: 44).

·         من أمثال الملكوت
o         مثل الزارع الذي يعلمنا أن الملكوت ينمو من خلال انتشار رسالته (متى 13: 11، 18-23)
o        مثل القمح والزوان يظهر لنا أن "العدو" مازال فعال حتى بعد تأسيس الملكوت وأنه لابد من وجود الزوان إلى وقت الحصاد عند عودة المسيح (متى 13: 24-30).  نرى في تفسير المثل أن الحنطة هم "بنو الملكوت" والزوان هو "بنو الشرير" وأن الجمع الأخير هو عبارة عن تنقية ملكوته من جميع المعاثر وفاعلي الإثم (متى 13: 36-43).  معنى مثل الشبكة قريب من نفس الفكرة (متى 13: 47-50)
o        مثل الخميرة وحبة الخردل (متى 13: 31-33) يعلمان أن الملكوت ينمو حاليا بطريقة بطيئة وخفية وهذا عكس توقع اليهود الذين كانوا ينتظرون ظهورا فجائيا للملكوت (لوقا 19: 11)
o        مثل الكنز واللؤلؤة والشبكة يصوران الملكوت كأمر مخفي في هذا العصر نحتاج أن نبحث عنه ونقتنيه مهما كانت التكلفة (متى 13: 44-46)

·         يعلمنا في متى 16: 18-19 أن الكنيسة ستنتصر على أبواب الجحيم وقد أعطي لقادتها "مفاتيح الملكوت".  الفعل "ابني" مستقبل في الأصل فعملية بناء الكنيسة بدأت بعد صعوده وجلوسه على كرسيه.  (معنى مفاتيح الملكوت سندرسه فيما بعد).

·         متى 24: 14 تعلمنا بوضوح أن الكرازة "ببشارة الملكوت هذه" لابد أن تتم في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم قبل المنتهى الذي هو مجيئه الثاني.

ماذا يحدث في مجيئه الثاني؟  ستكون الكرازة قد كملت وسيظهر هو ليستعلن ملكه أمام الجميع وينهي عمل الشيطان والمقاومة المتبقية.  فالملكوت الذي تأسس في المجيء الأول وامتد أثناء العصر الحالي سيكون قد وصل لذروته.   الملكوت المخفي الآن سيظهر في كل مجده.  هذا هو تعليم خطابه الخامس في متى (ص 24-25) وأيضاً شواهد أخرى مثل 2 تسالونيكي 2: 8، 2 تيموثاوس 4: 1، رؤية 11: 15). 

في الصلاة الربانية علمنا أن نطلب "ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" (متى 6: 10).  نحن نصلي من أجل انتشار الكرازة وبناء الكنيسة وسرعة ظهور الملكوت في مرحلته النهائية.

فبداية الملكوت كانت عند خلق آدم (تكوين 1: 28)
لكن الخطية اجهضته
إلا أن الله أعلن خطة لاسترداده في بيت داود الذي هو من نسل إبراهيم ونسل آدم
جاء المسيح وأسس الملكوت فعليا بحياته وموته وقيامته وصعوده
ويكمله الآن بقوة الروح القدس من خلال المأمورية العظمى وبناء جسده

حتى يظهر في شكله النهائي في مجيئه الثاني

هل يسوع المسيح شخصية تاريخية؟



يزعم البعض أن يسوع ليس شخصية تاريخية بل أسطورة أو أنه عاش فعلاً لكننا لا نعرف عنه الكثير.  بحسب هؤلاء شخصية يسوع المسيح كما وردت في الإنجيل هي من صنع المسيحيين الأوائل وليس لها أساس يذكر في الواقع التاريخي.

الهدف الرئيسي لهذه المحاضرة هو مراجعة الدلائل التي تثبت أن يسوع فعلاً شخصية تاريخية والمعلومات المتفق عليها بين المؤرخين عامة (ليس المسيحيين فقط).  لكي نحقق هذا الهدف سنتعرف على تاريخ القرن الأول فيما يخص منطقة الشرق الأوسط وبالذات فلسطين وعلى بعض المؤرخين الذين عاشوا فيه.

أسلوبنا لن يعتمد على الإيمان بل على البحث الموضوعي.  من وجهة نظر التاريخ اثبات أي معلومة يتطلب وجود عدة شهود للحدث لهم مصداقية وغير معتمدين على بعضهم البعض.

أولا: مراجعة لتاريخ القرن الأول الميلادي فيما يخص منطقة الشرق الأوسط

كانت المنطقة كلها تحت حكم الإمبراطورية الرومانية. فيما يلي أسماء أهم الاباطرة الذين حكموا في القرن الأول وتاريخهم وبعض الأحداث ذات صلة التي حدثت أثناء حكمهم.  نذكر أيضاً الحكام المحليين في فلسطين الذين حكموا باسم روما في الجزء الأول من القرن (مذكورين تحت اسم الاباطرة) وبعض الشخصيات الهامة.

         Augustus –حكم من 31 ق م إلى 14 م

         هيرودس الكبير (حكم 37 – 4 ق م)
         ارخيلاوس حكم اليهودية والسامرة وآدوم (حكم 4 ق م – 6 م)
         بداية حكم هيرودس انتيباس على الجليل وبيريا (4 ق م – 39 م)
         حكم هيرودس فيلبس على ايطورية وكورة تراخنيتس (4 ق م – 34 م)
         حكم كيرينيوس والي سوريا (12 ق م – 12 م)
         يهوذا الجليلي قاد تمرد على روما وهزم
         رئيس الكهنة حنان (رسمياً من 6-15 م لكن نفوذه استمر لفترة طويلة بعد ذلك)
         ميلاد يسوع وزيارة العائلة المقدسة لمصر وطفولته

         Tiberius- حكم من 14 م  إلى 37 م
         باقي فترة هيرودس انتيباس على الجليل وبيريا (4 ق م إلى 39 م)
         الوالي الروماني بيلاطس البنطي (26-36 م)
         قيافا رئيس الكهنة من 18-36 م (زوج بنت حنان)
         معمودية يسوع وعمله وموته وبداية الحركة المسيحية
         هيرودس أنتيباس هو الذي قطع رأس يوحنا المعمدان واشترك في محاكمة المسيح مع السنهدريم اليهودي وبيلاطس.
         غمالائيل عالم فريسي وعضو في السنهدريم  وحفيد العالم المشهور هيلل

         Caligula – حكم من 37 م إلى 41 م

         Claudius – حكم من 41 م إلى 54 م

         هيرودس أغريباس الأول (حكم 41-44 م)
         هيرودس هذا قتل الرسول يعقوب
         هيرودس أغريباس الثاني (48 -70 م)
         طرد Claudius اليهود من روما عام 49م وكان بينهم يهود منتصرين
         مجاعات في مناطق متفرقة منها مقاطعة اليهودية
         بداية كتابة أسفار العهد الجديد

         Nero – حكم من 54 م إلى 68 م
         الوالي الروماني فيلكس حكم اليهودية 52-58 م وخلفه فستس من 59-62 م
         استمرار حكم الملك هيرودس اغريباس الثاني (48-70 م)
         غاليون والي أخائية في منتصف الخمسينيات
         اراستس خازن مدينة كورنثوس في منتصف القرن
         حريق روما عام 64 م واضطهاد بشع للمسيحيين
         استشهاد الرسولين بطرس وبولس في هذا الاضطهاد
         بداية الثورة اليهودية ضد روما عام 66 م
         اشترك في الحرب القائد والمؤرخ اليهودي يوسيفوس
         بعد وفاته حدث صراع على الحكم لمدة عام

         Vespasian –حكم من 69 م إلى 79 م
         سقوط أورشليم ودمار الهيكل على يد ابنه تيطس

         Titus – حكم 79 م إلى 81 م

         Domitian – حكم 81 م إلى 96 م
         الأخ الأصغر لتيطس
         ادعى الألوهية!
         اضطهد المسيحيين ونفي الرسول يوحنا لجزيرة بطموس

ثانياً: تعليق على هذا السرد التاريخي

1.     نرى أن تاريخ اليهود والرومان من القرن الأول معروف بدقة من خلال المؤرخين والآثار ولا يوجد فيه غموض.

2.     بالنسبة لليهود كانت قضية القرن هي محاولة الاستقلال من روما والتي فشلت بكارثة قومية

3.     الرومان اعتبروا المسيحية مذهب يهودي ولم يقاوموها حتى وقت نيرون

4.     كل الأسماء أعلاه التي بأسفلها خط شخصيات معروفة من التاريخ ويذكرها العهد الجديد بدقة

5.      كُتاب العهد الجديد يُظهرون معرفة دقيقة بأحداث القرن الأول سياسياً واقتصاديا وثقافيا ودينيا.  أسفار العهد الجديد التي تذكر التاريخ مكتوبة بطريقة معاصرة تؤكد أن الكُتاب كانوا معاصرين للأحداث

   6.  الآثار أكدت كثير من معلومات العهد الجديد منها: مشاريع هيرودس الكبير المعمارية، مجمع كفرناحوم اليهودي، مراكب من القرن الأول في بحر الجليل ، قبر قيافا، ذكر غاليون واراستس في أخائية وأثار كثيرة في الشرق الأوسط وخارجه.

7.     كل هذا يظهر أن العهد الجديد له مصداقية ممتازة من حيث سرد الأحداث التاريخية

8.     قارن الكتابات المزورة مثل "إنجيل" برنابا التي تحتوي على أخطاء فادحة

9.     اتفق العلماء (حتى غير المسيحيين) أن عدة أجزاء من العهد الجديد مكتوبة فعلياً في منتصف القرن الأول منها البشيرين (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) وسفر الأعمال ورسالة يعقوب ورسائل بولس مثل رومية، كورنثوس، تسالونيكي، أفسس، وفيلبي على الأقل.  بعض هذه الأجزاء كتبت في خلال 20-30 سنة بعد حياة يسوع المسيح أي في حياة من عاصروه.   يقول الرسول بولس أن 500 شخص رأوا المسيح المقام في مناسبة واحدة معظمهم حي وقت كتابة كورنثوس الأولي (57 م). 

10.    إن كان بولس أو الكتاب الآخرين قد كتبوا معلومات خاطئة لكنا وجدنا اعتراضات من معاصيرهم وعدم الاهتمام بكتاباتهم.  الاحتفاظ بهذه الكتابات ونشرها واستعداد العددين على الاستشهاد من أجلها يؤكد مصداقياتها في القرن الأول وهو قرن الأحداث!

11.                        بالإضافة للعهد الجديد عندنا 40 كتابة مسيحية من المئة سنة الأولى تذكر المسيح بطريقة أو أخرى وكلها تؤكد وجوده في التاريخ ونشأة المسيحية.

12.                        نشأة المسيحية في القرن الأول في حد ذاتها أمر غريب وغير متوقع من الناحية البشرية

a.     بالنسبة لليهود كانت اهتماماتهم منصبة تماماً على مشكلة الاحتلال الروماني

                                                             i.      فكرياً كان اليهود منتظرين مسيا قوي يخلصهم من الاحتلال
                                                           ii.      رفضوا يسوع لأنه لم يأتي بهذا الغرض

b.     فكرياً لم يتوقع اليهود أبدا أن المسيا يتألم ويقوم من الأموات

                                                             i.      انتظر اليهود قيامة عامة في نهاية التاريخ
                                                           ii.      لذلك لم يفهم حتى تلاميذ المسيح أنه ينبغي أن يموت ويقوم

c.      فمن أين جاءت أفكار المسيحية التي نجدها في العهد الجديد وكيف انتشرت؟؟

                                                             i.      لم تكن الرسالة المسيحية في صالح روما.  صحيح أن المسيح وأتباعه لم يدعوا لمقاومة روما لكنهم رفضوا عبادة الامبراطور.  فلم تكن المسيحية فكرة رومانية.

                                                           ii.      التشابه بين المسيحية وديانات أخرى قديمة ضئيل للغاية والاختلافات كبيرة فلا يوجد أي دليل تاريخي يربط المسيحية بهم.

ثالثاً: يسوع المسيح مذكور عند المؤرخين غير المسيحيين في القرن الأول

1.     شهادة المؤرخ اليهودي يوسيفوس (عاش من 38 – 100م) في كتابه عاديات اليهود (الفصل 18 و20) هامة لأنه عاش في نفس المكان الذي عاش فيه يسوع وتقريبا في نفس الوقت ولم يكن مسيحياً.  يذكر شخصيات أخرى مثل يعقوب أخا الرب.

2.     شهادة المؤرخ الروماني تاسيتسTacitus (عاش 56-117 م) في كتابه الحوليات (15، 44) يتكلم عن صلب المسيح في عصر طيبوريوس والاضطهاد ضد المسيحيين في روما في عصر نيرون.

3.     شهادة المؤرخ الروماني سوتنيوس أن اليهود طردوا من روما في عصر Claudius بسبب اضطرابات حول شخصية "كريستوس" (لقب يسوع باليوناني)

4.     شهادة الفيلسوف السوري مارا ابن سرابيوم في خطاب لابنه سنة 73 م يقول إن اليهود قتلوا ملكهم الحكيم وتشتتوا بسبب ذلك.

5.     تقاليد اليهود الشفاهية التي دونت بعد القرن الأول في التلمود تدين يسوع على أنه مهرطق وساحر ومضلل وقد اتفقت الأمة على "تعليقه"

في الختام
لدينا شهود كثيرين مسيحيين وغير مسيحيين يؤكدون أن يسوع المسيح من الجليل عاش في القرن الأول وتعمد على يد يوحنا وصلب في عهد بيلاطس الوالي الروماني.
العهد الجديد يتفق بما يقوله المؤرخين ويعطينا باقي القصة وتفسيرها العظيم!!  لا يوجد سبب تاريخي يدعونا للشك في شهادته.