Friday, June 22, 2018

هل تم الخلاص أم ليس بعد؟

للرب خطة عظيمة يفرح بها كل مؤمن ألا وهي خطة الخلاص.  جاء المسيح بحب عظيم لعالمنا ليُخلصنا من الشر والموت والشيطان. نحن نعرف أننا بالإيمان بدمه قد نلنا غفران الخطايا، ونعرف أيضًا أننا تبررنا فيه ونلنا حياة جديدة بقوة روح الله القدوس. وللمؤمن ثقة أن بعد موته سيكون في محضر المسيح.

 من هذا المنطلق يبدو أن خطة الخلاص تمت بالفعل ولا نحتاج لشئ آخر.   لكن علينا ألا نتسرع وننسى الآتي:

-نحن المؤمنون مازلنا نُصارع الخطية، بالرغم من كوننا  قد مُتنا عنها مع المسيح (رومية ٦: ١-٧).
-نحن المؤمنون نمرض، بالرغم من أن الكتاب المقدس يقول "بحبره شُفينا" (إشعياء ٥٣: ٥).
-نحن المؤمنون أيضًا نموت، بالرغم من أننا قد ورثنا الحياة الأبدية مع المسيح المقام (١ بطرس ١: ٣-٤).

 فلماذا إذًا نُصارع، ونمرض، ونضعف، ونموت، لو أن الخلاص قد اكتمل؟

مع العلم أيضًا أن خطة الخلاص لو فهمناها بدقة لا تشمل البشر فقط، بل الطبيعة نفسها، بدليل أيات مثل الآتي (لاحظ الكلمات التي ركزنا عليها):

-          "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض" (متى ٥: ٥)
-          "لأن الخليقة نفسها ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله (رومية ٨: ٢١)
-          "ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة" (رؤيا ٢١: ١)

هذه الحقيقة منطقية جدًا، لأن الله هو الذي خلق الطبيعة ويحبها. يشيد مزمور ١٠٤ بعناية الرب للأرض، حتى أنه يُعلن أن الروح القدس يتعامل مع الطبيعة بالبركة (عدد ٣٠)!  والطبيعة تهتف وتعبد إلهها الخالق الأمين (إشعياء ٥٥: ١٢؛ رؤيا ٥: ١٣).  إن كانت الأرض قد لُعنت بسبب خطية آدم (تكوين ٣: ١٧) فهي ستُحرر من هذه اللعنة عندما ننال المجد في آدم الثاني ربنا يسوع المسيح.  هذا ما يقوله الرسول بولس بالوحي في رومية ٨ المشار إليها أعلاه (قارن أيضًا كولوسي ١: ٢٠ في سياقها).  إذن نفهم أنه كما يُجدد الله الإنسان القديم ويسميه "إنسان جديد"، هكذا سيُجدد الطبيعة ويسميها سماء جديدة وأرض جديدة.

لكننا لو نظرنا للطبيعة وحال العالم الآن من الواضح أن يوم الحرية والمجد لم يأتي بعد!!  فهناك تلوث، وبراكين، وزلازل، وأعاصير ولذلك نقول إن "خلاص" الطبيعة لم يكتمل بعد على أرض الواقع.

فمن ناحية الخلاص تم، ومن ناحية لم يتم.  أو ما هو أدق نقول إنه قد تم لكنه لم يكتمل بعد.  سنفهم كل هذا أكثر لو استوعبنا أن خطة الله للخلاص خطة مرحلية ولها حقب تاريخية لابد أن تتم في تسلسل معين.  هذا تعليم الكتاب المقدس الواضح، وليس مجرد أماني المؤمنين أو تخمينات العلماء.

خطة الله في الأساس كانت أن يضع صورة ابنه يسوع المسيح الرائعة علينا، فيراه فينا ونحن نراه في المسيح.  لو لم يُخطيء البشر، كنا عشنا مع الله ومع بعضنا البعض في انسجام ومحبة، دون كراهية ولا حقد ولا ألم ولا مرض.  من الصعب تصور كل أبعاد الحياة الجميلة التي كنا سنتمتع بها في الله ومعه في حالة عدم وجود الخطية.  لكن كما نعلم أن الإنسان أخطأ والسؤال الذي يراود الكثيرين هو: "لماذا لم يضمن الله صمود آدم في الطاعة والبر؟  لماذا لم يحمي خطته من الفشل؟  (أنظر أيضاً مقالنا عن "ماذا حدث في السقوط")

هذا السؤال هام للغاية، ولابد أن نفكر فيه بعمق. السبب هو أن الله لم يخلقنا كالحيوانات أو كالنباتات لكنه خلقنا مثله هو بفكر ومشاعر وإرادة (تكوين ١: ٢٦).   بالطبع كان الله قادر أن يخلق إنسان يطيعه على الدوام، ويحبه بلا انقطاع لكن ما معنى الحب والطاعة حينما يكونا مقيدين؟  المحب لابد أن يختار الحب ولا يُجبر عليه!  لذلك كان من الضروري أن نكون نحن البشر أحرارًا في قرارتنا نحو الله أي أن نكون مُخيرين لا مُسيرين، والا تحولت الخطة الإلهية لمسرحية هزلية.  من غير المعقول أن يصنعنا الله على صورته ويحجب عنا إمكانية صنع القرارات الأدبية.

يقول البعض أن الأب والأم الصالحين يحميان أولادهما من الخطر.  وبالفعل الله أعطى آدم وحواء إمكانية الفهم والطاعة وحذرهم مُسبقًا ووضعهم في جنة جميلة.   أعطاهم أيضًا بركات وفيرة وكل شجر الجنة ليأكلوا منها فلم يتركهم فريسة ولا بأدنى نقص أو احتياج.  أعطاهم فرصة للتجاوب معه، للوصول للنضوج من خلال الطاعة وتحمل المسئولية وهذا ما ينبغي أن نفعله مع أولادنا أيضًا.  لو كان آدم استمر في الطاعة لكان ارتفع هو وحواء في علاقتهما مع الله.  بمعنى أنهما بعد فترة يكونا قد اجتازا الاختبار، واثبتا عمليًا وشخصيًا أنهم يريدون معرفة الله.

للأسف فشل أبوينا في الاختبار، ولم يثبتوا في محبة الله بل صدقا صوت الشرير الذي أغراهم أن يكونا آلهة.   فهل فشلت خطة الله بفشل آدم وحواء؟  بالطبع لا،  خطة الله لم تفشل بل أخذت شكلًا مختلفًا، أي شكل الاسترداد أي أن الله أظهر عزمه على استرداد الإنسان للقصد الأول، وأيضًا رغبته في انقاذ الطبيعة.  الاسترداد هو الخلاص أي أن الله يرد ما قد هلك (انظر لوقا ١٩: ١٠، أعمال ٣: ١٨-٢٦).  بسبب رحمته الكبيرة لم يفني العصاة، ولا بدأ خطة جديدة بدونهما بل أعلن أن من خلال نسل المرأة سيأتي من سينتصر على الشيطان، ويُعيد الحياة للمسار الأصلي أو إلى ما هو أفضل (تكوين ٣: ١٥).  هذا أول وعد بالمُخلص وبالخلاص، وفي العصور قبل مجيئه أضاف الرب وعود كثيرة من أهمها أن المُخلص سيأتي من نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وتتبارك فيه كل شعوب الأرض (تكوين ١٢: ٣).

 فترة ما بعد سقوط آدم وحتى ميلاد المسيح، هي مرحلة الوعد "برد كل شئ"، والاستعداد لتنفيذ هذه الوعود الهائلة. لأن الله وعد أن المخلص لابد وأن يأتي من نسل المرأة - أي من البشر - كان من الضروري أن تكون له أسرة وأُمة.   فاختار نسل يعقوب، وصنع منهم أُمة يأتي منها الأنبياء، ويأتي منها ابنه المتجسد.   عندما عصى بني إسرائيل وعد أن الله سيردهم هم أيضًا،  ووعد أنه سيأتي بالأمم للبر والإيمان (مزمور ٨٦: ٩؛ إشعياء ٢: ٢)، وأن خلاصه سيمتد لأقاصي الأرض (إشعياء ٤٩: ٦).   العهد القديم يرسم صورة لمملكة المسيح العالمية التي وعد أنها ستأتي يومًا ما (مزمور ٧٢، إشعياء ١١).  انتظر المؤمنون من شعب بني إسرائيل تحقيق هذه الوعود بفارغ الصبر، كما نرى في المزامير وفي نشيد زكريا (لوقا ١).

بعد انتظار طال قرون، وأمل بدى أنه مفقودًا، صنع الله أمرًا عجيبًا في القرن الأول الميلادي، أخيرًا أرسل الله ابنه الوحيد ليكون نسل المرأة ونسل إبراهيم الموعود. أخيرًا بدأ يُحقق وعوده القديمة، وكان ذلك تقريبًا ألفي عام بعد وعده لإبراهيم وأكثر من ذلك بكثير منذ وعده في تكوين ٣: ١٥.   للرب توقيتاته، وهو يعمل حسب حكمته الفائقة وليس حسب توقعاتنا نحن البشر. 

هناك آيات كثيرة في العهد الجديد تعلن أن مرحلة التحقيق بدأت بقدوم يسوع المسيح إلى عالمنا.  من بين هذه الآيات: متى ١: ٢٢-٢٣ وتصريحات مماثلة في بشارة متى، مرقس ١: ٢-٣، لوقا ١: ٥٤-٥٥، ٦٨-٧٥، أعمال ٣: ١٧-٢٦، رومية ١: ٢، ١٥: ٨-١٢، إلخ.  إذًا لن نستطيع استيعاب ما فعله المسيح إلا في ضوء ما هو مكتوب في العهد القديم.  لم يأتي المسيح ليبدأ خطة جديدة، بل جاء ليُحقق الخطة الموضوعة من قبل، ألا وهي استرداد الخليقة والبشرية.

فعل ذلك المسيح عن طريق كل الآتي:

-حياته البارة وطاعته للآب السماوي (متى ٣: ١٥).
-معجزاته وطرده للشياطين (متى ١٢: ٢٨).
-موته على الصليب حينما أدان الله الخطية (رومية ٨: ٣).
-قيامته في اليوم الثالث (١ بطرس ١: ٣).
-صعوده بعد ٤٠ يوم وجلوسه عن يمين الله الآب (أعمال ٢: ٣٣-٣٤).

بالطبع هناك الكثير من التفاصيل والشرح لهذه الأمور، لكن هذا ليس هدفنا الرئيسي الآن (انظر المقال عن "التجسد").  يكفينا أن نقول إن الله تكلم عن كل هذه الأحداث في العهد القديم، وحققها المسيح لكي يقضي على الخطية والشيطان والموت، فيُجددنا ويُجدد العالم.  كل هذه تمثل بداية مرحلة التحقيق، والتي سوف تستمر حتى ظهور المسيح في المجد عند مجيئه الثاني. فالمسيح حقق فداءً أبديًا، لكنه ينتظر الآتي: (١) انتشار رسالة هذا الفداء بين كل الأمم (متى ٢٤: ١٤، ٢٨: ١٨-٢٠) وأيضًا (٢) إخضاع كل أعداءه تحت قدميه حسب وعد الآب له في مزمور ١١٠: ١ والمُكرر عدة مرات في العهد الجديد.  

في المستقبل وبعد فترة من الشر غير المسبوق سيظهر المسيح في السحب ويفعل الآتي:

-          يُدمر آخر خطة شيطانية متمثلة في الوحش الذي هو ضد المسيح وفي النبي الكذاب.
-          يُقيم الموتى، ويُعطي المؤمنين أجسادًا جديدة مثل جسد مجده.
-          يُدين الأحياء والأموات.
-          يُلقي الشيطان في بحرية النار.

 في هذه اللحظة المستقبلية، سنكون قد دخلنا مرحلة الاكتمال، تلك التي ليس فيها شر، ولا آلم، ولا موت، ولا صراع مع الخطية والأشرار.  إنها لحظة فداء أجسادنا، أي أن أجسادنا إلى الآن مفدية مبدئيًا لكنها غير مفدية بالفعل (رومية ٨: ٢٣). هي لحظة لقاؤنا معه ومع شعبه من كل العصور.  

نحن نعيش الآن في مرحلة التحقيق ولا نعلم متى ستكتمل خطة الله لكننا واثقون أنه كما حقق وعوده إلى الآن سيكمل إلى يوم يسوع المسيح.

من الملفت أن خلاصنا يأتينا على المستوى الشخصي في ثلاثة مراحل أيضاً:  (١) ينال كل من يؤمن الغفران والحياة الأبدية و(٢) يبدأ الجهاد بقوة الله ليتمم خلاصه بخوف ورعدة حتى (٣) يأتي الخلاص الكامل في المستقبل ومعه المجد الأبدي.

نعم الخلاص قد تم، لكنه يكتمل في هذه اللحظة المستقبلية.  فقد جاء المسيح المرة الأولى ليؤسس ملكوته، وهو يبنيه الآن، وسيُكمله حينما يظهر المرة الثانية. عندما نراه كما هو عيانًا،  سيكون الله قد حقق خطته الأصلية التي بدأت في جنة عدن (رؤيا ٢١: ١-٨).

أسئلة:

1.      ما هو الاسترداد؟ دعم اجابتك بشواهد كتابية.

2.      ما هي أهم وعود الله قبل ميلاد المسيح؟

3.      كيف تجيب على شخص يقول لك "المسيح جاء ليُخلص الناس والخطية مازالت موجودة"؟

4.      كيف تشرح المراحل الثلاث الآتية: مرحلة الوعد والاستعداد، مرحلة التحقيق، مرحلة الاكتمال؟

5.      تُرى لماذا لم يدمج الرب مرحلتي التحقيق والاكتمال؟

6.      ما علاقة مرحلة الاكتمال بخطة الله الأصلية؟

Saturday, April 7, 2018

قيامة المسيح حل اليأس واللامعنى



كانت "الرواقية" مسيطرة على الفكر الثقافي في العالم الروماني وقت المسيح.  من بين تعاليمها الكئيبة أن العالم والله واحد فلا يوجد إله يحب ويتعامل مع البشر.  الكون يمر بسلسلة "إعادات" للأبد فلا بداية للكون ولا نهاية ولا معنى أو هدف.  حياتنا محكومة بالقدر الأعمى وما علينا إلا قبول الواقع وعدم التأثر بالأمور بطريقة مبالغ فيها.  بالنسبة لهم قيامة الجسم فكرة مستحيلة لأن الجسم "سجن" الروح ويجب التخلص منه.  إلي حد كبير هذه 
الفلسفة اليونانية شبيهة بتعاليم الهندوسية والبوذية.

جاءت المسيحية وخاصة إعلانها أن يسوع المسيح قد قام من الأموات كقنبلة ذرية دمرت الرواقية مع الوقت.  فالقيامة ادخلت حقائق هامة للمجتمع كانت ضد التيار تماما:

·        الجسم الإنساني ليس شرير:  إن الله خلقه والآن يبدأ عملية استرداده في المسيح

·        الإله الذي أقام يسوع من الأموات هو إله واع بذاته ومهتم بالبشر (وهو ليس الكون الأعمى!)

·        لهذا الإله خطة لها بداية في آدم وتصل ذروتها في المسيح ونهايتها عندما يعود مرة ثانية ويقيمنا نحن.

·        لذلك حياتنا لها معنى وقيمة والكون والتاريخ لهما معنى وهدف!

انظر رسالة بولس الرسول لأهل كورنثوس الإصحاح 15 خاصة الأعداد 20-28 و 50-58.  كانت كورنثوس مدينة يونانية وكان بعض المسيحيون متأثرون بخلفيتهم الثقافية فكان لابد أن يصحح الرسول أفكارهم.
من خلال هذه الأخبار السارة دخل الفرح لحياة الكثيرين في القرون الأولى وعلى مر التاريخ.  إله المسيحية أعطى الناس إحساس بالإنتماء والحب والدفئ إضافة لغفران الخطايا وحياة أبدية.  للأسف الشديد عاد المثقفون في آخر 200 سنة للأفكار اليونانية فتبنوا نظرية "اللامعنى".  هذا بسبب الحادهم ورفضهم لصليب المسيح وقيامته. شعروا أن هذا سيعطيهم "الحرية" لكن كانت النتيجة دمار على المستوى الشخصي والحضاري. 
عزيزي الاختيار أمامك واضح:  إما أن تؤمن بمن مات من أجلك وقام فتدرك أن حياتك لها هدف.  أو أنك ترفض موته وقيامته وتعيش تائه في عالم بلا معنى ولا قيمة ولا سعادة.  كل سنة ونحن عائشون في المسيح المقام.

Wednesday, September 6, 2017

الغنوسية الجزء الثالث: المرأة والحية في الغنوسية


رأينا في المقالات الأخرى عن الغنوسية مدى تطرف الغنوسية في رفض الوهية المسيح ووحي أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس.  إنها حركة تزعم "المعرفة" السرية (الغنوسس) وتلغي دور الإيمان والخلاص فهي حركة لا تنتمي اطلاقاً للمسيحية رغم إنها تسختخدم بعض الشخصيات المذكورة في الكتاب المقدس في أساطيرها.

في هذا المقال نتعمق أكثر في خرافات الغنوسية الخطيرة خاصة فيما يختص بما حدث في جنة عدن.   بحسب الغنوسيين المرأة لم تخطأ في البداية بل هي التي حررت البشرية من بطش الإله الشرير الذي خلقهم!  لقد قلنا في المقال الأول أن الغنوسية تعتبر إله العهد القديم إله شرير أو جاهل وقد حبس أبوينا في الجنة وفي العالم المادي لكي لا يتقدما في المعرفة.  فما فعلته المرأة كانت خطوة إلى الأمام!  ما هو أغرب من ذلك أن الغنوسية وصلت لأقصى مستويات التدني عندما زعمت أن الحية هي الإله الحقيقي!  في "الكتاب السري ليوحنا" ((Apocryphon of John وهو كتاب غنوسي مكتوب في القرن الثاني الميلادي وقد تم اكتشافه في مكتبة نجع حمادي الغنوسية يقول "المسيح" أنه هو الذي جعل أبوينا يأكلان من شجرة معرفة الخير والشر! الله هو الشر والشر هو الله!

في ضوء هذه الخرافات القاتلة نجد أن عدداَ من النساء لعبنا دوراً قيادياً في الحركات الغنوسية في القرون الأولى وقد استخدمت حركة تحرير المرأة المتطرفة الغنوسية كسند لها في زمننا.  نعني بكلمة "المتطرفة" لا النشطاء المطالبون بحقوق المرأة المشروعة بل هؤلاء الذين يرون أن المرأة متفوقة على الرجل وهي رجاء العالم.  هذه المبالغات تأتي نتيجة تعليم أسطوري خطير.
 
في هذا الشأن نذكر أمرين هامين.  اعتقد قادة الكنيسة الأوائل أن سيمون الساحر المذكور في أعمال 8 هو من قادة الغنوسية الأوائل. هو من السامرة وسعي لشراء سلطان الرسل بالمال مما جعل الرسول بطرس يوبخه.  تقول كتابات الأباء من القرن الثاني أنه غضب وذهب لروما بعد ذلك وارتبط بسيدة سيئة السمعة اسمها "هيلن" وأدعى أنه ظهر للسامريين كالآب ولليهود كالابن وللأمم الأخرى كالروح القدس.  أدعى أن هيلن هي قوة الله الخلاقة وشجع على ممارسات غير أخلاقية مثله كثير من الغنوسيين.

الأمر الثاني الخاص بنظرة الغنوسية بالمرأة يتعلق بمريم المجدلية.  يقول الإنجيل أن المسيح كان قد أخرج منها شياطين وأنها خدمته بعد ذلك مع نساء أخريات.  يقول البشيرون أنها أول من رأى المسيح بعد قيامته من الأموات وفي ذلك تكريم لها وللمرأة عامة.  إلا أن الغنوسية تطرفت في نظرتها لمريم فزعموا أن المسيح أحبها أكثر من الرسل وهي من يمتلك "الصوفيا" (الحكمة السرية) وتعلنه لهم.  ظن الغنوسيون في خرافاتهم أنها في نزاع مع بطرس وكتبوا ذلك في "أناجيلهم" المنحولة مثل ما يسمى "إنجيل فيلبس" و "إنجيل توما".   في هذه الكتابات وغيرها تخيلوا أن المسيح هو آدم الجديد (فكرة نجد مثلها في العهد الجديد لكن من منطلق مختلف) ومريم حواء الجديدة وهم يقودان الجنس البشري للمعرفة الغنوسية السرية.

في ختام هذا المقال نود أن ننبه القارئ أن هذه الخرافات مازالت تؤثر علينا.  الأخطاء لا تموت بل تأخذ أشكال مختلفة.  ففي "الكتاب السري ليوحنا" وهو كما قلنا كتاب غنوسي من القرن الثاني يوجد الإدعاء أن الثالوث هو أب وأم وابن.   للآسف تبنت حركات دينية كبيرة هذه الفكرة المغلوطة وتنشرها على أنها فكر المسيحية حتى الآن رغم تعليم الكتاب المقدس الواضح أن الإله الواحد هو الآب والابن والروح القدس.  الفيلم الحديث Maleficent شبه الشيطان بمرأة (Angelina Jolie) وانتهي بنصرتها على الملك الذي غالباً يشير للمسيح. طوال الفيلم هناك محاولة لاقناعنا أن الشيطان هو الله وهو على حق! كل هذه ما هي إلا محاولات الحية (الشيطان) لتضليل الناس وابعادهم عن محبة الله التي ظهرت في المسيح بل وتصويرها في اسوء ضوء لتدميرها.  لكن كلمة الله باقية للأبد وللحديث بقية!

Thursday, August 17, 2017

الغنوسية الجزء الثاني: موقفها من العهد القديم


كان للحركات الغنوسية موقفاً سلبياً تجاه العهد القديم وبعض أجزاء العهد الجديد.  من أخطر مزاعم الغنوسيون أن إله العهد القديم (يهوه) ليس الإله الأعظم بل إلهاً شريراً أو جاهلاً وله مقاماً أقل بكثير من الإله الأعظم.  توصل الفكر الغنوسى لهذا الإعقتاد بسبب رفضهم للمادة. كما قلنا في المقال السابق بالنسبة لهم كانت المادة شريرة أو مجرد وهم والمسيح كان مجرد شبح.  في رأيهم ما حدث أن "انبثاقات" (شئ مثل الملائكة) خرجت من الإله الأعظم وللانبثاقات رتب مختلفة وتوجهات مختلفة.  يهوه أحد هذه الانبثاقات وله رتبة منخفضة فزعموا أنه خلق العالم المادي دون علم أو دون تدخل الإله الأعظم!

المسيح بالنسبة للغنوسيين لم يرسل من إله العهد القديم القاسي بل من الإله الأعظم الآب السماوي.  جاء المسيح ليحرر الناس من يهوه ومن شريعته من خلال "الغنوسس" (المعرفة) وليس بالإيمان.  إنه لم يمت حقيقة ولا حاجة لموته لأن نور المعرفة المتوفر عندهم هو المطلوب.

مع أن هناك غنوسية يهودية إلا أن القوة الحقيقية وراء الغنوسية هي الهيلينية متمثلة في الفلسفة اليونانية وخاصة الافلاطونية.  علمت هذه المدرسة الفلسفية أن "الأفكار" غير المرئية هي الحقيقة المطلقة وأن عالمنا "تقليد" غير حقيقي وغير كامل.  الهدف هو الوصول للكمال والبُعد عن كل الأشكال المادية.   كان الفكر اليوناني يحتقر اليهود وشريعتهم بسبب اهتمامها بالأرضيات ومن هنا صارت الأساطير الغنوسية جذابة للكثيرين.


بالطبع رفض الغنوسيون لا العهد القديم فقط بل أجزاء كبيرة من العهد الجديد لاستنادها على القديم.  حارب أباء الكنيسة مثل يوستينوس الشهيد وايريناوس في القرن الثاني هذه الحركات وكان انتشار الغنوسية من الدوافع التي جعلت الأباء يضعون "قانون" لأسفار العهد الجديد حتى لا يحدث لبس في الكنائس.   مع صعود المسيحية في القرون الوسطى اضطرت الغنوسية البقاء بطرق سرية "تحت الأرض" حتى ظهرت في القرون الأخيرة بطريقة علنية.  وللحديث بقية.

Monday, August 14, 2017

الغنوسية: ما هي وموقفها من يسوع المسيح

الغنوسية عبارة عن مجموعة حركات خطيرة موجودة منذ وقت رسل المسيح تتدعى أن أعضاءها هم الذين يمتلكون "المعرفة" ("غنوسس" في اللغة اليونانية). لابد أن تكون معهم لتكون حكيماً لأن المعرفة سرية وغير متاحة للجميع....إنها للنخبة ولديهم مفاتيحها. "لو أردت أن تعرف أسرار الحياة انضم لنا وستكون متفوقاً على باقي البشر". هذا الخطاب في حد ذاته كان ومازال جذاب للكثيرين بغض النظر عن أي تفاصيل أخرى

بالطبع فكر الغنوسيين متأثر جداً بالفلسفة اليونانية التي تقول أن كل ما هو روحي وذهني حسن وكل ما هو مادي وأرضي شرير. فالجسم شرير والهدف أن الإنسان يتحرر منه. المسيح بالنسبة لهم كائن سماوي لكنه لم يأتي كإنسان لديه جسم حقيقي وطبيعة بشرية. البعض قال أنه مجرد شبح ولا إنسان مثلنا ولم يتألم حقيقة بل "شبه" للناس هكذا. البعض الآخر قال أن المسيح السماوي حل على إنسان اسمه يسوع (!) وقت معموديته وجعله يصنع أعماله ويقدم تعاليمه إلا أنه فارقه وقت الصلب فمن مات كان مجرد يسوع ولا الكائن السماوي

مع أن الحركات الغنوسية ازدهرت في القرن الثاني بعد الميلاد إلا أن العهد الجديد
 يحذرنا من تعاليمها التي كانت قد بدأت أثناء حياتهم في النصف الثاني من القرن الأول. ففي رسالة كولوسي يؤكد بولس أن في المسيح "يحل كل ملء اللاهوت جسدياً" (2: 9) وهذه هرطقة للغنوسيين الذي رأوا أن إلههم أعلى من ذلك بكثير ولا يمكن أن يحتك بالمادة. بالنسبة لهم المسيح كائن سماوي لكنه ليس "الله" بل فيه بُعد من أبعاد اللاهوت! واضح أن تأثير الغنوسية قوي للغاية وممتد حتى الآن في الشرق والغرب بأشكال مختلفة وتحت مسميات مختلفة وبتركيبات مختلفة. أيضاً يحارب يوحنا الفكر الغنوسي في كتاباته في يؤكد مرة بعد مرة الأولى أن يسوع هو المسيح ابن الله... ليس يسوع شئ والمسيح شيء آخر! من أول جملة في رسالته الأولى يؤكد أن يسوع لم يكن شبح بل هو كلمة الله الذي صار إنساناً كاملاً وحقيقياً: " الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ." في بشارته يؤكد أن كلمة الله تألم حقيقة وسال دم من جنبه على الصليب وأنه هو يوحنا شاهد ذلك بنفسه وكذلك أمه ومن معها زائد الجند الروماني ومن أتوا بعد موته لدفنه (يوحنا 19: 25-42). يسوع المسيح هو هو من قام في اليوم الثالث وقال لتوما أن يأتي ويرى ويلمس علامات الصلب في يديه وجنبه! المسيح لم يخدع أتباعه بل مات فعلياً من أجلهم ومن أجل محبته لهم ولنا وقام جسدياً في اليوم الثالث. بالطبع الغنوسيين لا يقبلون القيامة من الموت لأنها عودة في نظرهم لجسد الشرير حتى لو كنا نزعم أن الجسد صار ممجداً وغير قابل للفساد مرة أخرى. إنه لم يمت ولم يقم وهذه "حكمة" الغنوسية وهي مازالت معنا ولن تزول لآخر لحظة في التاريخ...وللحديث بقية

Monday, April 10, 2017

أسئلة لقادة الكنائس المصرية وللخدام بعد أحداث أحد السعف الدموية


لا بد الا تمر أحداث 9 أبريل في طنطا والاسكندرية على قيادات الكنائس المصرية  والخدام وقيادات الفكر المسيحي بمصر دون الاستفادة من دروسها.  فعلينا التضرع لله لسماع صوته في هذا الوقت العصيب لكي نفكر تفكيراً كتابياً  صحيحاً وموضوعياً بلا تشويش وبلا البحث عن المصالح.  علينا أن نعرف من الرب ما هي الدروس التي ينبغي أن نتعلمها.  ما نقوله في هذه الفترة يؤثر على أعداد كبيرة من الناس وقد يبنيهم في إيمانهم أو – مع الوقت—يدمرهم حتى لو لم نقصد ذلك.  علينا أن نفكر بحرص طالبين من الرب أن ينقذنا من أفكار مغلوطة ربما اعتدنا ترديدها في الماضي.   يجب علينا أن نتشاور لكي نتعلم من الحكمة المعطاة لبعضنا البعض ولكي نوحد صوتنا قدر المستطاع. هذا ليس وقت الكبرياء ولا الاستعراض.

من هذا المنطلق أريد أن اسأل عدة أسئلة لنا كقادة لا لأنني أعرف بالتأكيد كل ما يريد الرب قوله لكنني مشغول بها:

1.     هل حان الوقت لنقول الحقيقة....لنقول أن المسيحيين مضطهدين في مصر؟  في آخر 4 شهور مات 88 مسيحي في القاهرة والعريش وطنطا والاسكندرية. 

2.     هل من العدل أن ننفي الاضطهاد بحجة أن الأرهاب يضرب الآخرين أيضاً؟  لو كان الإرهاب أعمى كما يزعم البعض لكان ضرب في كل الأماكن الدينية لكنه لم يفعل ذلك.

3.     هل نريد أن نقول كلام ترضى عليه السلطة لنربح المصالح منها أم نقول الحق....أو على الاقل نصمت إن كنا غير شجعاء.

4.     هل حان الوقت لنهيأ شعبنا للإضطهاد ونوقف نبرة "الرب جاي ومصر كلها هتعرفه"؟ من أين تستقون هذه التعاليم؟  لا تتحجج بإشعياء 19 قبل أن تدرس الإصحاح جيداً ولا تستغل النص لتعطى تسكين مزور وطمأنينة زائفة للناس. أفضل المفسرون يرون أن الإصحاح يتكلم بطريقة مجازية (مثل إشعياء 11) عن ممكلة المسيا المنتظر التي ستتوسع لتشمل الأمم ولا إسرائيل فقط.  يقول المفسرون أن المقصود من الإصحاح التأكيد على أن في عصر المسيا أعداء الله القدامى (ممثلين في مصر جنوباً وأشور شمالاً) سيدخلون ملكوته ويتصالحون مع شعبه.  المقصود ليس مصر وأشور فقط بل كل الأمم لأن المسيح جاء لجميع الأمم حسب وعده لإبراهيم في تكوين 12: 3 وكما نرى في المأمورية العظمى في متى 28: 18-20 وأماكن كثيرة. 

لا تفسر إشعياء 19 حرفياً إلا إذا أجبت على هذه الأسئلة:
·        لماذا أخص الله مصر وأشور وإسرائيل (عدد 24)؟ الا يهتم بباقي الأمم؟
·        هل يوجد محاباة عند الله؟ الكتاب يقول لا (رومية 2: 11)
·        أين المدن التي تتكلم لغة كنعان في مصر؟!
أحبائي مصر وأشور وإسرائيل يمثلون كل الأمم ولا وعد خاص لهؤلاء الثلاثة.  لو كان هناك وعد خاص لهم لكنا سمعنا شئ عنه في العهد الجديد لكن الإنجيل صامت تماماً لأن الرسل فهموا التفسير الصحيح.

5.     ألم يأتي الوقت أن نتوقف عن تخدير الناس بوعود مشكوك فيها وشعارات رنانة ونؤهلم للتألم والاضطهاد؟  متى كانت أخر مرة درست فيها تعليم العهد الجديد عن الاضطهاد؟ متى وعظت عن ذلك؟  حضر الرسل كنائسهم للاضطهاد.  انظر مثلاً أعمال 14: 21-22 ورسائل بولس وبطرس والعبرانيين بالاضافة لتعليم السيد نفسه في البشائر. الراعي الأمين يقدم الحق مهما كان صعب ولا يكيف رسالته حسب رغبة المستمع.

6.     علينا استيعاب أن "النصرة" في الإنجيل تأتي عن طريق الألم والشهادة حتى الاستشهاد:  "وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤيا 12: 11).

7.     ألم يأتي الوقت أن نتكلم كما تكلم الكتاب وبالذات العهد الجديد؟  كفاية كلام عن "الأجواء الروحية" ونبوات كاذبة عن مصر وعن المستقبل.  اشغل نفسك بالحق ولا بالأوهام.  بالتأكيد الحق لن يكسبنا الشهرة مثل الأوهام لكن علينا أن نتيقن أننا سنعطى حساباً على خدمتنا وعلى دوافعنا.  فهل دافعنا الشهرة؟ هل نريد جذب الناس والأموال لأهدافنا الخاصة؟ أم دافعنا تمجيد المسيح عن طريق ربح الناس وبناء إيمان شعب الله؟

8.     السؤال الأخير سؤال صعب للغاية:  هل نشجع الناس على الحضور في الكنائس في ظل تكرار هذه الأحداث؟  أم نفعل ما فعلته الكنيسة الأولى والكنيسة في الصين؟  جاوب بحكمة وشجاعة.

من المؤكد أننا سنعطي حساباً....لا تنسى هذه الحقيقة....كل نفس أهملناها وكل نفس دمرناها لأننا وعدانها بأمور لم يتكلم بها الرب أو إننا أهلمنا إعدادها وتملذتها بحسب تعليم الإنجيل.

إننا في وقت حساس ونحن مسئولين قدام الله والتاريخ أن نقف في الثغر لمجد الله ولصالح شعبه المتألم ومن أجل ربح النفوس. علينا أن ندرس ونصلي ونتحاور حتى نعرف مايريد الرب قوله في هذا الوقت.

دعونا نصلي من أجل بعض لأن معركتنا واحدة.






Thursday, March 30, 2017

هل صُلب المسيح فعلياً؟ اثباتات منطقية وتاريخية

حقيقة موت المسيح على الصليب وقيامته الجسدية في اليوم الثالث حقيقة مركزية في المسيحية.  لو لم يمت المسيح على الصليب أو لم يقم من الأموات ليس هناك إيمان مسيحي على الإطلاق. تحت ارشاد الوحي أعطى كُتاب العهد الجديد مساحة كبيرة جداً لأحداث صلب المسيح ودفنه وقيامته وظهروه بعد ذلك.

لكن للأسف الشديد هناك ملايين من البشر يظنون أنهم مؤمنون بالسيد المسيح لكنهم يرفضون حقيقة موته على الصليب وقيامته.  مسيحهم مسيح المعجزات والتعاليم المثالية التي في رأيهم لا يستطيع أحد أن يعيشها.  لا يفهمون لماذا يسمح الله لأحد من أنبيائه أن يتألم ويموت على يد أعداءه.  ألا ينتصر الله على خصومه أم هم المنتصرون؟!

ما يغفلونه هو أن مسيح الإنجيل قال مراراً أنه لابد أن يموت ويقوم:

 وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: "هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ." وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ. (لوقا 18: 31-34)

علينا أن ندرك أن المسيح تنبأ بما سيحدث له وأكد أن الأنبياء قبله أيضاً تكلموا عن نفس الأمور. أي أن التوراة تنبأت بموته وقيامته.  ثانياً لم يفهم تلاميذه الأصليين هذا الكلام لأنهم فهموا التوراة بطريقة غير صحيحة!  هذه قضية هامة من الناحية التاريخية والمنطقية لأنها تظهر أنهم لم يخترعوا فكرة الصلب والقيامة. على العكس تماماً فهم لم يقبلوها في البداية لأنهم كباقي اليهود كانوا منتظرين مسيح قوي يقهر روما بقوة السيف.  عندما تم القبض على المسيح وقتله اصيبوا بحزن شديد وخيبة الأمل.  فكيف كتبوا بعد ذلك عن الصليب والقيامة وكيف بشروا بهذا المسيح وقبلوا الشهادة من أجله؟ الإجابة واضحة:  أنهم رأوا بأعينهم موت المسيح ثم رأوه مقاماً من الأموات بعد ذلك!   لم يقل لهم "أنني لم أمت أصلاً إنها كانت خدعة" بل آراهم علامات الصلب على جسده المقام من القبر. كانت الدلائل القوية هي سبب تغيير معتقداتهم السابقة. أغلب من كتبوا العهد الجديد بوحي من الله كانوا شهود مباشرين للصلب والقيامة ومن لم يشهدوا الأحداث تحدثوا مع كثير من الشهود.  الإنجيل الذي بين أيدينا كُتب أثناء حياة مئات من الشهود الذين عاصروا موت المسيح ورأوه مقاماً من الأموات.

بعد ذلك ادركوا أن المسيح لم يمت بالإكراه ولم يٌهزم بل فهموا كلامه عندما قال قبل موته:
لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبي. (يوحنا 10: 17-18)

اقتناع تلاميذ المسيح بموته وقيامته لم يكن مجرد اقتناعاً فكرياً لكنهم شعروا بفوائده الكبيرة في حياتهم. ادركوا أن المسيح هزم إبليس وبذلك حررهم من عبودية الشر ومن خوف الموت : فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. (عبرانيين 2: 14)

لذلك لا نستغرب أن موت المسيح وقيامته يحتل مساحة كبيرة من العهد الجديد (الإنجيل) نصاً وروحاً وفكراً.

ماذا يقول المنطق والتاريخ؟

رأينا أن المنطق يمنعنا من قبول فكرة أن المسيحيين الأوائل اخترعوا فكرة الصلب لأنها كانت ضد معتقدهم الديني تماماً بل كانت فكرة كريهة لهم.  فلماذا يأتون بها؟ ولماذا يبشرون بمسيح مهزوم بالمعايير السياسية والإنسانية؟  لدينا وثائق تاريخية كثيرة تؤكد أن اليهود (ومنهم المسيحيين الأوائل) توقعوا أنه سيأتي على رأس جيش ليحررهم من الاحتلال ويعيد مجد دولة دواد الملك.
دعونا نفترض أنهم فعلاً لم يخترعوا قصة الصلب بل أنهم خُدعوا عندما رأوا الأحداث الأخيرة في حياة السيد المسيح.  فهل ظنوا أنه قُبض عليه وتم محاكمته وإعدامه من قبل الرومان دون أن تكون هذه أحداث حقيقية؟ 

لو كان الله أنقد السيد المسيح من مؤامرة اليهود التي أدت بهذا الافتراض لإعدام شخص آخر من قبل السلطة الرومانية كنا نتوقع أن تلاميذ المسيح أو أمه مريم أول من يعلمون بذلك.  لماذا لم يأتيهم المسيح المحب ليطمأنهم؟ لماذا لم يأتيهم نبياً أو حُلماً في نفس اللحظة ليكذب ما رأوه وسمعوه؟

على عكس ذلك تماماً ظهر لهم المسيح وآراهم أثر المسامير بعد مع قام من القبر (يوحنا 20: 24-27).

لا يوجد أي شهادة من القرن الأول الميلادي تقول أنه تم تكذيب قصة الصليب.  كل المعاصرون علموا بصلب المسيح بغض النظر لتحليلهم لما حدث. فهل بعد انتشار الخبر في أنحاء العالم يجوز انكاره بعد مئات السنين؟ هل يخدع الله شعبه فيتركهم لأوهامهم؟  هل يسمح لخدعة أن تنتشر على مدار ألفي عام؟

يمكن لأحدهم أن يزعم أن الله صحح المعلومة لكن تلاميذ المسيح تمسكوا بالأكذوبة.  نعود ونسأل لماذا يتمسكون برواية كريهة لليهود وللرومان معاً؟!  كيف يتوقعون ربح الناس لرواية مصنعة تأتي بعكس ما يرغب فيه البشر؟! لماذا يحرفون الحقيقة بطريقة ليست في صالحهم؟ هل من المنطق أن نقول هذا؟

ماذا يقول المؤرخون؟

كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس والذي عاش بعد السيد المسيح مباشرة (37 – 100 م) وعاصر حياة وتبشير اتباعه أن يسوع صُلب في عصر الوالي الروماني بيلاطس تماماً كما يقول الإنجيل. جاء ذلك في كتابه عاديات اليهود، الجزء 18، الفصل الثالث.

أيضاً يقول المؤرخ الروماني تاسيتس (عاش 56-117 م) في كتابه الحوليات (15، 44) أن المسيح صُلب في عصر الامبراطور طيبيريوس (حكمه 14-37 م) تماماً كما يقول الإنجيل.

بالاضافة لشهادة هذين المؤرخين المشهورين هناك خطاب من عام 73 م لفليسوف سوري اسمه مارا بن سرابيوم لابنه يقول فيه أن اليهود قتلوا ملكهم الحكيم ومن ذلك الوقت تشتتوا.  جدير بالذكر أن الرومان دمروا أورشليم وشتتوا اليهود عام 70 م أي قبل الخطاب بثلاث سنين.

بذلك لدينا شهادة المسيحيين داخل وخارج الإنجيل وشهادة اليهود وشهادة الرومان أن المسيح صُلب فعلياً.  ليس لدينا أي مستند من أي طرف في القرن الأول يكذب القصة.  لا يوجد "إنجيل" آخر من هذه الفترة التاريخية الحاسمة يقدم لنا رواية مختلفة.  لذلك يقبل العلماء حتى غير المسيحيين وحتى الملحدين حقيقة صلب المسيح في عصر الوالي الروماني بيلاطس أثناء حكم تيبيريوس قيصر.
علينا نحن أيضاً أن نقبل هذه الحقيقة ونتعامل معها ونفهمها لأنه لا يمكن تجاهلها.  لماذا مات؟ وماذا حدث بعد موته؟ وماذا يعني كل ذلك لك؟

(انظر أيضاً مقالنا تحت عنوان "الله قدم برهاناً قوياً على صدق المسيحية")